ابن عبد البر
227
الدرر في اختصار المغازي والسير
فنزل جبريل من عند اللّه - تعالى - على رسول ، اللّه - صلى اللّه عليه وسلم ، بما صنع حاطب بن أبي بلتعة . فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - علي بن أبي طالب والزّبير بن العوّام والمقداد ابن عمرو ، فقال لهم : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة « 1 » معها كتاب إلى قريش . فانطلقوا فلما أتوا روضة خاخ وجدوا المرأة ، فأناخوا بها وفتّشوا رحلها كله ، فلم يجدوا شيئا ، فقالوا : واللّه ما كذب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لها على : واللّه لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ « 2 » الثياب ، فحلّت قرون رأسها ، فأخرجت الكتاب ( منها ) فأتوا به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما هذا يا حاطب ؟ فقال حاطب : واللّه يا رسول اللّه ما شككت في الإسلام ولا رجعت عن ديني ، ولكني كنت ملصقا في قريش فأردت أن أتخذ عندهم بذلك يدا يحفظونني بها في شأفتى « 3 » بمكة لأن أهلي وولدى بها . فقال عمر بن الخطاب : يا رسول اللّه دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وما يدريك يا عمر لعل اللّه قد اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم « 4 » . وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - في عشرة آلاف / واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم « 5 » بن حصين الغفاري ، وكان خروجه لعشر خلت من رمضان ، فصام - عليه السلام -
--> ( 1 ) الظعينة : المرأة في الهودج . ( 2 ) في ابن هشام : أو لنكشفنك . ( 3 ) الشأفة : الأهل والمال . ( 4 ) وأنزل اللّه تعالى في حاطب : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ) إلى قوله : ( قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) إلى آخر القصة ( انظر الروض الأنف 2 / 266 وما بعدها ) . ( 5 ) في ابن سعد : عبد الله بن أم مكتوم .