ابن عبد البر

21

الدرر في اختصار المغازي والسير

وكثيرا ما يستضيء صاحبها ببعض ما ذكره السهيلي المتوفى سنة 581 للهجرة في كتابه ( الروض الأنف ) في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوية لابن هشام مما يقطع بأنه عالم متأخر . وقد أحال كثيرا على كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر ، وأحال أيضا على كتابيه « التمهيد » و « الاستذكار » . وقد يضع مكان كلمة « قلت » كلمة « فائدة » أو « هاهنا لطيفة » . وفي مواضع قليلة جدا ذكر التعليق بدون إشارة تسبقه تدل على أوله ، غير أن تعليقه كان دائما يحمل الدلالة على أنه ليس من كلام ابن عبد البر ، بما يتضمن من معارضته له ، وبما ينهيه به من علامات نهايات الاستدراكات كقوله : « يرجع الكلام » أو « عاد الكلام » أو « واللّه أعلم » أو « واللّه الموفق » أو « باللّه التوفيق » أو « والحمد للّه » أو « والحمد للّه رب العالمين » . وإحدى اثنتين : إما أن تكون هذه التعليقات كتبت على هامش الأصل الذي نقلت عنه هذه المخطوطة وأدخلها فيه ناسخها ، أو يكون الناسخ الذي كتبها هو نفس العالم الذي أضاف هذه التعقيبات والمراجعات . وقد أخرجتها جميعا من الكتاب ووضعتها في هوامشه مشيرا إليها دائما بنجوم ، حتى تتميز مما في الهوامش من تعليقات لي مرقمة . وهي تدل دلالة بينة على أن من كتبها محدّث بصير بكتب السيرة النبوية وكتب الحديث المختلفة ، وأنه فقيه سنى ، عالم باختلافات الفقهاء وطرقهم في الاستنباط ، وأنه يتقن العلم باللغة والنحو واختلافات النحاة : سيبويه وغيره في بعض المسائل ، كما يتقن علوم البيان من المجاز وغير المجاز . وإنما أخرجت مراجعاته وتعليقاته من الكتاب حتى أعيد إليه نسقه وصورته الأصلية . أما المنهج الذي ترسمته في تحقيق الكتاب فقد أخذت نفسي فيه ، بمقابلة نصوصه على الأصل الذي استمد منه ابن عبد البر في المغازي ، وهو سيرة ابن إسحاق برواية ابن هشام المشهورة ، وأفدت كثيرا من شرحها المسمى باسم الروض الأنف لمؤلفه السهيلي . وقابلت الأحاديث المبثوثة في الكتاب على صحيح البخاري ومسند أبى داود الطيالسي وصحيح مسلم وسنن أبي داود ومسند ابن حنبل . وعنيت بمقابلة نصوص الكتاب عامة على الفرعين اللذين استمدا منه ، وأقصد جوامع السيرة لابن حزم وعيون الأثر في المغازي والشمائل والسير لابن سيد الناس . وقد أوضحت - فيما أسلفت - العلاقة بينهما وبينه وكيف أنهما يكادان يشبهان نسختين منه ؛ نسخة كاملة هي نسخة ابن حزم وقد دخلها شيء من التصرف ، ونسخة ناقصة هي نسخة ابن سيّد الناس ، وقد احتفظت بالنصوص