ابن عبد البر

185

الدرر في اختصار المغازي والسير

فأقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون على حالهم والمشركون يحاصرونهم ولا قتال منهم إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ العامري من بنى عامر بن لؤيّ ، وعكرمة بن أبي جهل ، وهبيرة بن أبي وهب ، وضرار بن الخطاب الفهري - وكانوا فرسان قريش وشجعانهم - أقبلوا حتى وقفوا على الخندق . فلما رأوه قالوا إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها « 1 » ، ثم تيمّموا « 2 » مكانا ضيقا من الخندق [ فضربوا « 3 » خيلهم فاقتحمت منه ] وصاروا بين الخندق وبين سلع . وخرج علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه في نفر من المسلمين ، حتى أخذوا عليهم الثّغرة « 4 » التي اقتحموا منها ، وأقبلت الفرسان نحوهم . وكان عمرو بن [ عبد ] ودّ قد أثبتته الجراح يوم بدر ، فلم يشهد أحدا وأراد يوم الخندق أن يرى مكانه . فلما وقف هو وخيله نادى : [ هل ] من مبارز ؟ فبرز له علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، وقال له : يا عمرو إنك عاهدت اللّه فيما بلغنا عنك أنك لا تدعى إلى إحدى خلّتين إلا أخذت إحداهما ، قال : نعم ، وقال : إني أدعوك إلى اللّه عزّ وجلّ والإسلام ، قال : لا حاجة لي بذلك . قال : وأدعوك إلى البراز ، قال : يا ابن أخي واللّه ما أحبّ أن أقتلك لما كان بيني وبين أبيك ، فقال له على : أنا واللّه أحبّ أن أقتلك . فحمى « 5 » عمرو بن [ عبد ] ودّ العامري ونزل عن فرسه ، وسار نحو على ، فتنازلا وتجاولا ، وثار « 6 » النّقع / بينهما حتى حال دونهما ، فما انجلى النّقع حتى روى علىّ على صدر عمرو يقطع رأسه . فلما رأى أصحابه أنه قد قتله على اقتحموا بخيلهم الثغرة منهزمين هاربين ، وقال على - رضى اللّه عنه - في ذلك :

--> ( 1 ) هكذا في ابن هشام وفي الأصل : يكيدونها . ( 2 ) تيمموا : قصدوا . ( 3 ) زيادة من ابن هشام . ( 4 ) الثغرة : الثلمة التي اقتحموا منها الخندق . ( 5 ) حمى : احتد غضبه . ( 6 ) النقع : غبار الحرب .