ابن عبد البر

180

الدرر في اختصار المغازي والسير

شاور أصحابه ، فأشار عليه سلمان بحفر الخندق ، فرضى رأيه ( * ) . وقال المهاجرون يومئذ : سلمان منا ، وقالت الأنصار : سلمان منا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : سلمان منا أهل البيت ( * ) . وعمل المسلمون في الخندق مجتهدين ، ونكص المنافقون ، وجعلوا يتسللون لواذا ( 1 ) . فنزلت فيهم آيات من القرآن ذكرها ابن إسحاق وغيره . وكان من فرغ من المسلمين من حصته عاد إلى غيره فأعانه حتى كمل الخندق . وكان فيه آيات بيّنات وعلامات للنبوات مذكورات عند أهل السير والآثار ، منها أن كدية ( 2 ) اعتاصت على المسلمين ، فدعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليها ، فضربها بالفأس ضربة طار منها الشّرار وقطع منها الثلث ، وقال : اللّه أكبر فتح قيصر واللّه إني لأرى القصور الحمر . ثم ضرب الثانية فقطع منها الثلث الثاني . وقال : اللّه أكبر

--> * قلت : فيه ما يدل على وجوب استعمال الحذر في وقته ، فإن كان في ظاهره وهن ضعيف فان عاقبته حميدة . وفيه ما يدل على أن الأعمال الشاقة المتعبة على الجماعة ينبغي أن تقسم حتى لا يتواكل الناس فيها بعضهم على بعض . وتلك سنة الأنبياء في مثل ذلك . وجاء في تفسير قوله تعالى : ( إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ) ان كانوا اقتسموا الأعمال من احتطاب واحتشاش ورعى وحراسة فهو معنى الاستباق . وهي أيضا عادة المسلمين في حفر الخنادق . وشرط ذلك السلامة من التنافس والتحاسد والتعيير . ولهذا كأن من فرغ ( من ) حصته قبل صاحبه أعان من لم يفرغ بلا تنقيص ولا تعيير . واللّه أعلم . * قلت : مذهب سيبويه النصب على الاختصاص ( أي في كلمه أهل البيت ) وقيل : يجوز الخفض على البدل من الضمير ( في منا ) وهو مذهب الأخفش لجواز البدل من ضمير المتكلم والمخاطب خلافا لسيبويه ، فإنه قال : هما غاية في البيان فلا يحتاجان إلى البدل . وعندي في أعراب هذه الكلمة في الحديث نكتة لطيفة ، وذلك أن المضمر فيها جاء فيه احتمال أن يراد المتكلم خاصة أو يراد المتكلم وجماعته . والجماعة هاهنا يحتمل أن يراد بهم الصحابة رضوان الله عليهم أو أهل البيت صلوات اللّه عليهم ، فلما تعدد الاحتمال جاز البيان بالابدال . وينبغي أن يكون النبيّ صلى اللّه عليه وسلم داخلا في أهل البيت هاهنا لقوله « منا » ويكون المراد أهل بيت النبوة ، بخلاف التقدير في قوله تعالى : ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) فينبغي أن يكون التقدير حينئذ أهل بيت النبيّ ، ويكون النبيّ صلى اللّه عليه وسلم هاهنا خارجا من اللفظ ، لأن أهل بيته أزواجه . وفي هذه المرحمة تعظيم عظيم من اللّه تعالى لنبيه عليه السلام فإنه جعل البيت المطلق عبارة عن بيته كما جعل البيت المطلق في حقه تعالى عبارة عن الكعبة كالاسم العلم لها ( اى في مثل قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) . ( 1 ) اللواذ : التستر بشيء عند الفرار وهو إشارة إلى تعللهم بالاعذار . ( 2 ) الكدية : الحجر الضخم الصلد .