ابن عبد البر
175
الدرر في اختصار المغازي والسير
ودسّ عبد اللّه بن أبىّ بن سلول ومن معه من المنافقين إلى بنى النّضير : إنا معكم ، وإن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم . فاغترّوا بذلك . فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم ، فألقوا بأيديهم ( 1 ) ، وسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يكفّ عن دمائهم ويجليهم على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح ( 2 ) . فاحتملوا ( 3 ) / كذلك إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام . وكان ممن سار منهم إلى خيبر أكابرهم حيىّ بن أخطب ، وسلّام بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق . فدانت لهم خيبر . وقسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أموال بنى النضير بين المهاجرين خاصة ( 4 ) ، إلا أنه أعطى منها أبا دجانة سماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف وكانا فقيرين . وإنما قسمها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين لأنهم إذ قدموا المدينة شاطرتهم الأنصار ثمارها ، وعلى ذلك بايعوا ليلة العقبة على نصرته ومواساة أصحابه . فرد المهاجرون على الأنصار ثمارهم . ولم يسلم من بنى النّضير إلا رجلان : يامين بن عمير بن كعب بن عمرو بن جحاش ، وأبو سعيد بن وهب ، أسلما فأحرزا أموالهما . وذكر أن يامين بن عمير جعل جعلا لمن قتل ابن عمه عمرو بن جحاش لما همّ به في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ونزلت سورة الحشر في بنى النّضير ( 5 ) ، قال عزّ وجلّ : ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ ( 6 ) الْحَشْرِ ) إلى قوله : ( لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ) إلى قوله : ( وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ) ( * )
--> ( 1 ) ألقوا بأيديهم : ذلوا وانقادوا . ( 2 ) ويقال أنهم خلفوا من السلاح خمسين درعا وخمسين بيضة ( خوذة ) وثلاثمائة وأربعين سيفا . ( 3 ) احتملوا : رحلوا . ويقال إنهم رحلوا على سبعمائة بعير ، وقيل على ستمائة حملوها كل ما استطاعوا حتى قيل أنهم حملوها بيوتهم وكل ما استطاعوا من أنقاضها . ( 4 ) أوضح ابن عبد البر العلة في ذلك حتى يرد المهاجرون على الأنصار ما أخذوا من ثمارهم التي شاطروهم فيها ، ومن حينئذ وقفت المواساة التي كانت مفروضة عليهم للمهاجرين . ( 5 ) أوضحت هذه السورة قصة بنى النضير وحصار الرسول لهم ووسوسة ابن أبي والمنافقين لهم بأنهم سيقفون في جانبهم وما كان من جلائهم وتخريبهم لبيوتهم بأيديهم . ( 6 ) قيل المراد بأول الحشر حشرهم من المدينة ، ثم كان حشرهم الثاني من خيبر إلى الشام على نحو ما سنعرف في غزوة خيبر وقيل أن المراد هذا الحشر في الدنيا ثم يليه حشر الآخرة وقيل : بل نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب . ( * ) فكان اجلاء بنى النضير أول الحشر في الدنيا إلى الشام ، ولذلك قيل الشام أرض الحشر . ( وانظر الروض الألف 2 / 177 ) .