ابن عبد البر
154
الدرر في اختصار المغازي والسير
فرأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في منامه أن في سيفه ثلمة وأن بقرا له تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة « 1 » . فتأوّلها أن نفرا من أصحابه يقتلون وأن رجلا من أهل بيته يصاب وأن الدّرع الحصينة المدينة . فأشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أصحابه أن لا يخرجوا إليهم وأن يتحصنوا بالمدينة / فإن قربوا منها قاتلوهم على أفواه الأزقة ووافق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على هذا الرأي عبد اللّه بن أبىّ بن سلول ، وأبى أكثر الأنصار إلا الخروج إليهم ليكرم اللّه من شاء منهم بالشهادة . فلما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عزيمتهم دخل بيته ، فلبس لأمته « 2 » ، وخرج ، وذلك يوم الجمعة ، فصلّى على رجل من بنى النجار مات ذلك اليوم يقال له مالك بن عمرو ، وقيل : بل اسمه محرز بن عامر . وندم قوم من الذين ألحّوا في الخروج وقالوا : يا رسول اللّه إن شئت فارجع ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما ينبغي لنبىّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل . فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ألف من أصحابه ، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة لمن بقي بالمدينة من المسلمين ، فلما سار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نحو أحد انصرف عنه عبد اللّه بن أبي بن سلول بثلث الناس مغاضبا ، إذ خولف رأيه ، فاتّبعهم عبد اللّه بن عمرو ابن حرام ، فذكّرهم اللّه والرجوع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأبوا عليه ، فسبّهم ، ورجع عنهم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ونهض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمسلمين ، وذكر له قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود ، فأبى عليهم . وسلك على حرّة بنى حارثة ، وشقّ أموالهم « 3 » حتى مشى على مال لمربع بن قيظى وكان ضرير البصر فقام يحثو « 4 » التراب في وجوه المسلمين ويقول : إن كنت رسول اللّه فلا يحلّ لك أن تدخل حائطى « 5 » / وأكثر من القول . فابتدره أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليقتلوه ، فقال عليه
--> ( 1 ) في بعض الروايات أن الرسول رأى أيضا في منامه أنه مردف كبشا وتأوله أن حامل لواء المشركين يقتل . ( 2 ) اللأمة : الدرع أو جميع السلاح . ( 3 ) أموالهم هنا : زروعهم . ( 4 ) يحثو : يرمى ( 5 ) الحائط : بستان النخيل .