ابن عبد البر

146

الدرر في اختصار المغازي والسير

قربة ، فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ، ثم انطلق حتى حضرهم . قالت : فدعونا اللّه عزّ وجلّ للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده ، فو اللّه إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير يسعى ويلوّح بثوبه ويقول : ألا أبشروا فقد ظهر النجاشي وأهلك اللّه عدوه ومكّن له في بلاده . قالت : فو اللّه ما علتنا فرحة قط مثلها . قالت : ورجع النجاشي سالما وأهلك اللّه عدوه ، واستوسق له أمر / الحبشة ، فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة . قال الفقيه الحافظ أبو عمر رضى اللّه عنه : هؤلاء ( 1 ) قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة ثم هاجروا إلى المدينة ، وجعفر وأصحابه بقوا بأرض الحبشة إلى عام خيبر . وقد قيل إن إرسال قريش إلى النجاشي في أمر المسلمين المهاجرين إليها كان مرتين في زمانين : المرة الواحدة كان الرسول مع عمرو بن العاص عبد اللّه ابن أبي ربيعة المخزومي . والمرة الثانية كان مع عمرو بن العاص عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي . وقد ذكر الخبر بذلك كله ابن إسحاق وغيره ، وذكروا ما دار لعمرو مع عمارة بن الوليد من رميه إياه في البحر وسعى عمرو به إلى النجاشي في بعض وصوله إلى بعض حرمه أو خدمه وأنه ظهر ذلك في ظهور طيب الملك عليه وأن الملك دعا بسحرة ، فسحروه ونفخوا في إحليله ، فتشرد ولزم البرية وفارق الإنس وهام حتى وصل إلى موضع رام أهله أخذه فيه ، فلما قربوا منه فاضت نفسه ومات . هذا معنى الخبر . قال أبو عمرو : ولم أر لإيراده على وجهه معنى اكتفاء بما كتبناه في الكتاب ، ولأن ابن إسحاق قد ذكره بتمامه . واللّه الموفق للصواب ( * ) .

--> ( 1 ) يشير إلى من رجع من أرض الحبشة . * قلت : وحاصل الخبر أن عمارة كان جميلا وسيما ، وكان عمرو استصحب امرأته معه ، فهويها عمارة وهويته . وهم عمارة أن يطرح عمرا في البحر . فأسرها عمرو في نفسه ، فلما وصلا الحبشة قال له عمرو : انني كتبت إلى قومي أن لا يطالبوك بدمي ، فاكتب إلى قومك أن لا يطالبونى بدمك ، لتنمى في قريش منا المصافاة والاتفاق على ما بعثونا إليه ، ففعل عمارة ذلك . فيقال أن شيخا من قريش عندما سمع ذلك قال : قتل عمارة ، واللّه ، أن هذة مكيدة من عمرو ثم إن عمرا حسن لعمارة أن يتصل بزوجة الملك لتعينهما عند النجاشي ، فاتصل بها ، إلى أن عرف عمرو أنها طيبته من طيب الملك ، وكان له طيب خاص . فالقى حينئذ إلى الملك ان عمارة تعرض لحريمه بأمارة كذا ، فكشف الملك ، فصحت له الأمارة ، ففعل به ما فعل واللّه أعلم بذلك . وبالجملة فهذا أن صح فهو من أمور الجاهلية التي لا يلتمس لها التأويل . غير أن -