ابن عبد البر

12

الدرر في اختصار المغازي والسير

حالات الوحي في مفتتح الكتاب بقوله : « وقد أشبعنا هذا المعنى في كتاب التمهيد عند ذكر حديث عائشة رضى اللّه عنها المذكور » . وتحدث في خاتمة الكتاب عن صلاة أبى بكر بالناس في مرض الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : « وقد أوضحنا معاني صلاته في مرضه بالناس مع أبي بكر ومكان المقدّم منهما ، وما يصحّ في ذلك عندنا في كتاب التمهيد » . ومرّ بنا تعقبنا لمن روى عنهم ابن عبد البر الأحاديث والأخبار في هذه السيرة ممن لم يذكرهم في أسانيده لكتب ابن عقبة وابن إسحاق وابن أبي خيثمة ، ورأيناهم جميعا في عداد أساتذته الذين روى عنهم ، بشهادة تلميذه الحميدي . وكل ذلك معناه أن نسبة هذه السيرة إلى ابن عبد البر نسبة وثيقة ، ونراه يقول في خطبتها أو فاتحتها : « هذا كتاب اختصرت فيه ذكر مبعث النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وابتداء نبوته وأول أمره في رسالته ومغازيه وسيرته فيها ، لأنى ذكرت مولده وحاله في نشأته وعيونا من أخباره في صدر كتابي في الصحابة ، وأفردت هذا الكتاب لسائر خبره في مبعثه وأوقاته صلى اللّه عليه وسلم . . . والنّسق كله على ما رسمه ابن إسحاق . فذكرت مغازيه وسيره ( جهاده ) على التقريب والاختصار والاقتصار على العيون من ذلك دون الحشو والتخليط » . وواضح من ذلك أن ابن عبد البر قصد في هذا الكتاب إلى صنع مختصر للسيرة النبوية ، وعبّر عن مقصده لا في خطبة الكتاب فحسب ، بل أيضا في عنوانه الذي اختاره له ، وكأنما رأى كتب السيرة تحتوى على حشو كثير ، فرأى أن يكتفى بالدرر والفرائد التي تجعل منها خيطا ممدودا متصلا . وقد بدأ هذا المختصر بالمبعث وما بعده من المغازي والأحداث ، أما ما قبل ذلك من ولادة الرسول ونسبه ووفاة أبيه وأمه وجده وكفالة أبى طالب ونشأته وأطواره قبل البعثة وزواجه بالسيدة خديجة فقد أجمله في صدر كتابه « الاستيعاب في معرفة الأصحاب » وكأنه رأى أن لا داعى لتكرار حديثه عنه . ويقول إنه بنى الكتاب على ما رسمه ابن إسحاق ، والتقاؤه به واضح في المغازي وتواليها وأسماء من شاركوا واستشهدوا من المسلمين فيها ومن قتلوا أو أسروا من المشركين . وإذا كان قد تابع ابن إسحاق في البناء العام فإنه استقلّ عنه في كثير من المواضع بما أضاف من كتابي موسى بن عقبة وابن أبي خيثمة ومن روايات أساتذته الذين سميناهم ، فقد استمد منهم كثيرا من الأحاديث . وإذا عرفنا أنه كان من كبار الحفّاظ للحديث النبوي