ابن عبد البر
112
الدرر في اختصار المغازي والسير
وسار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى نزل قريبا من بدر . وركب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع رجال من أصحابه مستخبرا ، ثم انصرف . فلما أمسى بعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقّاص في نفر إلى بدر يلتمسون الخبر ، فأصابوا راوية « 1 » لقريش ، فيها أسلم غلام بنى الحجاج السهميين وأبو يسار عريض غلام بنى سعيد بن العاص بن أمية . فأتوا بهما ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائم يصلّى ، فسألوهما : من أنتما ؟ فقالا : نحن سقاة قريش . فكره أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذا الخبر وكانوا يرجون أن يكونا من العير لما في العير من الغنيمة وقلة المئونة ولأن شوكة قريش شديدة . فجعلوا يضربونهما ، فإذا آلمهما الضرب قالا : نحن من عير أبي سفيان . فسلّم رسول اللّه / صلى اللّه عليه وسلم من صلاته ، وقال : إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما . ثم قال لهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أخبراني أين قريش ؟ قالا : هم وراء هذا الكثيب . فسألهما : كم ينحرون كل يوم من الإبل ؟ قالا : عشرا من الإبل يوما ، وتسعا يوما ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف . وكان بسبس بن عمرو وعدى بن أبي الزّغباء اللذان بعثهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مستخبرين قد وصلا إلى ماء بدر ، فأناخا بقرب الماء ، ثم استقيا في شنّهما « 2 » ومجدىّ بن عمرو بقربهما لم يفطنا به ، فسمع بسبس وعدى جاريتين من جواري الحي وإحداهما تقول للأخرى : [ أعطيني « 3 » ديني ، فقالت الأخرى ] إنما تأتى العير غدا أو بعد غد ، فأعمل لهم ثم أقضيك . فصدّقهما مجدي - وكان عينا لأبى سفيان - ورجع بسس وعدى إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأخبراه بما سمعا . ولما قرب أبو سفيان من بدر تقدم وحده ، حتى أتى ماء بدر ، فقال لمجدىّ : هل أحسست أحدا ؟ فقال : لا إلا راكبين أناخا إلى هذا التلّ ، واستقيا الماء ونهضا . فأتى أبو سفيان مناخهما ، فأخذ من أبعار بعيريهما ، ففتّه ، فإذا فيه النّوى ، فقال : هذه واللّه علائف يثرب . فرجع
--> ( 1 ) الراوية : الإبل التي تحمل الماء . ( 2 ) شنهما : قربتهما . ( 3 ) زيادة من ابن حزم للسياق .