العلامة المجلسي
96
بحار الأنوار
إلى الشمال وبالعكس للسائرين إلى الجنوب بحسب سيرهما دليل على استدارتها بين الجنوب والشمال ، وتركب الاختلافين يعطي الاستدارة في جميع الامتدادات . ويؤيده مشاهدة استدارة أطراف المنكسف من القمر الدالة على أن الفصل المشترك بين المستضئ من الأرض وما ينبعث منه الظل دائرة ، وكذلك اختلاف ساعات النهر ( 1 ) الطوال والقصار في مساكن متفقة الطول إلى غير ذلك . ولو كانت أسطوانية قاعدتاها نحو القطبين لم يكن لساكني الاستدارة كوكب أبدي الظهور ، بل إما الجميع طالعة غاربة أو كانت كواكب يكون من كل واحد من القطبين على بعد تستره القاعدتان أبدية الخفاء والباقية طالعة غاربة وليس كذلك ، وأيضا فالسائر إلى الشمال قد يغيب عنه دائما كواكب كانت تظهر له ، وتظهر له كواكب كانت تغيب عنه بقدر إمعانه في السير ، وذلك يدل على استدارتها في هاتين الجهتين أيضا . ومما يدل على استدارة سطح الماء الواقف طلوع رؤوس الجبال الشامخة على السائرين في البحر أولا ثم ما يلي رؤوسها شيئا بعد شئ في جميع الجهات . وقالوا : التضاريس التي على وجه الأرض من جهة الجبال والأغوار لا تقدح في كرويتها الحسية ، إذ ارتفاع أعظم الجبال وأرفعها على ما وجدوه فرسخان وثلث فرسخ ، ونسبتها إلى جرم الأرض كنسبة جرم سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع بل أقل من ذلك . ويظهر من كلام أكثر المتأخرين : أن عدم قدح تلك الأمور في كرويتها الحسية معناه أنها لا تخل بشكل جملتها كالبيضة ألزقت بها حبات شعير لم يقدح ذلك في شكل جملتها ، واعترض عليه : بأن كون الأرض أو البيضة حينئذ على الشكل الكروي أو البيضي عند الحس ممنوع ، وكيف يمكن دعوى ذلك مع ما يرى على كل منهما ما يخرج به الشكل مما اعتبروا فيه وعرفوه به ؟ وربما يوجه بوجه آخر وهو أن الجبال والوهاد الواقعة على سطح الأرض غير محسوسة عادة عند الإحساس بجملة كرة الأرض على ما هي عليه في الواقع . بيانه : أن رؤية الأشياء تختلف بالقرب والبعد ، فيرى القريب أعظم مما هو الواقع والبعيد أصغر منه وهو ظاهر ، وقد أطبق القائلون بالانطباع وبخروج الشعاع كلهم على أن هذا الاختلاف
--> ( 1 ) النهر - بضمتين - : جمع النهار .