العلامة المجلسي

306

بحار الأنوار

يقال : وما المعنى والفائدة في قوله عز وجل " خلق العجل من الانسان " ؟ أتريدون بذلك أن الله تعالى خلق العجلة في الانسان ؟ وهذا لا يجوز ، لان العجلة فعل من أفعال الانسان ، فكيف تكون مخلوقة فيه لغيره ؟ ولو كان كذلك لما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول " سأريكم آياتي فلا تستعجلون " لأنه لا ينهاهم عما خلقه فيهم ، فإن قالوا : لم يرد أنه تعالى خلقها ، لكنه أراد كثرة فعل الانسان لها وأنه لا يزال يستعملها ، قيل لهم : هذا هو الجواب الذي قدمناه من غير حاجة إلى القلب والتقديم والتأخير ، وإذا كان هذا المعنى يتم وينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا إليه . وقد ذكر أبو القاسم البلخي هذا الجواب في تفسيره واختاره وقواه ، وسأل نفسه عنه وقال : كيف جاز أن يقول : فلا تستعجلون ، وهو خلق العجلة فيهم ؟ وأجاب بأنه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طبائعهم وكفها ، وقد يكون الانسان مطبوعا عليها وهو مع ذلك مأمور بالتثبت قادر على أن يجانب العجلة ، وذلك كخلقه في البشر شهوة النكاح ، وأمرهم في كثير من الأوقات بالامتناع منه ، وهذا الذي ذكره البلخي تصريح بأن المراد بالعجل غيره ، وهو الطبع الداعي إليه ، والشهوة المتناولة له ، ويجب أيضا أن يكون المراد ب‍ " من " ههنا " في " لان شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الانسان ، وإنما تكون فيه ، وهذا تجوز على تجوز ، وتوسع على توسع ، لان القلب أولا مجاز ، ثم هو من بعيد المجاز ، وذكر العجل والمراد به غيره مجاز آخر ، وإقامة " من " مقام " في " كذلك ، على أنه تعالى إذا نهاهم عن العجلة بقوله عز وجل " فلا تستعجلون " أي معنى لتقديم قوله : إني خلقت شهوة العجلة فيهم ، والطبع الداعي إليها - على ما عبر به البلخي - ؟ وهذا إلى أن يكون عذرا لهم أقرب منه إلى أن يكون حجة عليهم ، وأيسر الأحوال أن لا يكون عذرا ولا احتجاجا ، فلا يكون لتقديمه معنى . وفي الجواب الأول حسن تقديم ذلك على طريق الذم والتوبيخ والتقريع من غير إضافة له إليه عز وجل ، فالجواب الأول أوضح وأصح . وثالثها جواب روي عن الحسن ، قال : يعني بقوله " من عجل " أي من ضعف وهي النطفة المنتنة المهينة الضعيفة ، وهذا قريب إن كان في اللغة شاهد على أن العجل