العلامة المجلسي

279

بحار الأنوار

كان ظلوما " حيث لم يف بها ولم يراع حقها " جهولا " بكنه عاقبتها ، وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب ( 1 ) ( انتهى ) . وقال الطبرسي - قدس سره - : إنه على وجه التقدير أجرى ( 2 ) عليه لفظ الواقع ، لان الواقع أبلغ من المقدر ، معناه : لو كانت السماوات والأرض والجبال عاقلة ثم عرضت عليها الأمانة وهي وظائف الدين أصولا وفروعا عرض تخيير لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها وشدتها وقوتها ، ولامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقها ، ثم حملها الانسان مع ضعف جسمه ، ولم يخف الوعيد لظلمه وجهله ، وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس أنها عرضت على نفس السماوات والأرض فامتنعت من حملها . والرابع أن معنى العرض والاباء ليس هو على ما يفهم بظاهر الكلام ، بل المراد تعظيم شأن الأمانة ، لا مخاطبة الجماد ، والعرب تقول " سألت الربع وخاطبت الدار فامتنعت عن الجواب " وإنما هو إخبار عن الحال عبر عنه بذكر الجواب والسؤال ، وتقول " أتى فلان بكذب لا تحمله الجبال " وقال سبحانه " فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " وخطاب من لا يفهم لا يصح . فالأمانة على هذا ما أودع الله سبحانه السماوات والأرض والجبال من الدلائل على وحدانيته وربوبيته فأظهرتها والانسان الكافر كتمها وجحدها لظلمه ( 3 ) . ويرجع إليه ما قيل : المراد بالأمانة الطاعة التي تعم الطبيعية والاختيارية ، وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره ، وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها ، ومنه قولهم " حامل الأمانة ومحتملها " لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته ، فيكون الاباء عنه إتيانا بما يمكن أن يتأتى منه ، والظلم والجهالة للخيانة والتقصير . والخامس ما قيل : إنه تعالى لما خلق هذه الاجرام فيها فهما ( 4 ) وقال لها :

--> ( 1 ) أنوار التنزيل : ج 2 ، ص 281 - 282 . ( 2 ) في المصدر : الا انه اجرى . . ( 3 ) مجمع البيان : ج 8 ، ص 374 . ( 4 ) كذا في جميع النسخ التي بأيدينا والظاهر " جعل فيها فهما " .