العلامة المجلسي

188

بحار الأنوار

أن يقول له كن فيكون ( 1 ) . وهو سبحانه جعل للأشياء منافع وتأثيرات وخواص أودعها فيها ، وتأثيراتها مشروطة بإذن الله تعالى وعدم تعلق إرادته القاهرة بخلافها ، كما أنه أجرى عادته بخلق الانسان من اجتماع الذكر والأنثى وتولد النطفة منهما وقرارها في رحم الأنثى وتدرجها علقة ومضغة وهكذا فإذا أراد غير ذلك فهو قادر على أن يخلق من غير أب كعيسى ، ومن غير أم أيضا كآدم وحواء ، وكخفاش عيسى وطير إبراهيم وغير ذلك من المعجزات المتواترة عن الأنبياء في إحياء الموتى . وجعل الاحراق في النار ، فلما أراد غير ذلك قال للنار : كوني بردا وسلاما على إبراهيم . وجعل الثقيل يرسب في الماء وينحدر من الهواء ، فأظهر قدرته بمشي كثير على الماء ورفعهم إلى السماء وجعل في طبع الماء الانحدار فأجرى حكمه عليه بأن تقف أمثال الجبال منه في الهواء حتى تعبر بنو إسرائيل من البحر . ومع عدم القول بذلك لا يمكن تصديق شئ من

--> ( 1 ) لا بأس بتذييل لهذا التتميم يجعل نفعه أعم وفائدته أتم ، فنقول : هناك أمور لا مجال للارتياب فيها لمن له قدم في العلوم الإلهية . ( الأول ) كل ما سوى الله تعالى مخلوق له محتاج إليه في جميع شؤونه الوجودية ، سواء في ذلك الشؤون العلمية والإرادية وغيرها . ( الثاني ) ان الله تعالى غنى عن جميع ما سواه ولا يحتاج إلى غيره في شئ أصلا ، وليس لقدرته تعالى حد ونهاية ، فهو القادر على كل أمر ممكن في ذاته ، وليس لقدرته على شئ من الأشياء شرط ولا مانع ، سبحانه وتعالى عما يصفون . ( الثالث ) كل ممكن في ذاته يستوى نسبته إلى الوجود والعدم ، ولابد في ترجح أحدهما من مرجح وهذا حكم ضروري لا يكاد يشك فيه عاقل فضلا عن الانكار اللهم الا من لم يتصور طرفي القضية أو عرض له شبهة لم يستطع دفعها أو مكابر ينكر باللسان ما يعترف به قلبا . وهذا أساس جل براهين التوحيد بل المعارف الحقة . ( الرابع ) طريق معرفة العلل والمرجحات - سوى ما يعرفه الانسان وجدانا وبالضرورة - اختبار ارتباط وجود شئ بشئ وكشف حدود ذاك الارتباط ، وهذا من معرفة صنع الله تعالى وكشف مجارى مشيئته في خلقه ، لامن باب كشف شرائط قدرته تعالى على الأشياء فتفطن . ومن الواضح ان معرفة سبب ما لشئ لا تنفي سببية شئ آخر له وقد ثبت في محله ان هذا ليس من صدور الواحد من الكثير لمكان تعدد الحيثيات . ولا أظن أن يرتاب أحد في سببية الأسباب والعلل لمسبباتها ومعلولاتها وارتباط الثانية بالأولى ارتباطا ذاتيا وجوديا إلا أن تعرض شبهة لمن لا يستطيع على حلها كالأشاعرة حيث قالوا بان عادة الله جرت على ايجاد شئ عقيب شئ آخر دون ان يرتبط به ارتباطا وجوديا ، والتزموا بذلك زعما منهم ان القول بالعلية وارتباط المعلول بالعلة ينافي التوحيد ، وجهلا بأن هذا منهم هدم لأساس التوحيد وإنكار لسنة الله تعالى في خلقه . ( الخامس ) كل علة غير الواجب تعالى ليس مستقلا في التأثير كما أنه ليس مستقلا في الوجود ، فكما انها تحتاج في ذاتها إلى علة أخرى حتى تنتهي إلى الواجب تبارك وتعالى فكذا في أفعالها وجميع شؤونها فما من اثر وجودي في شئ من الأشياء من حيث هو اثر وجودي إلا وهو مستند إلى الله تعالى قبل استناده إلى سائر علله ويشهد لهذا المعنى آيات كثيرة جدا نسب فيها أفعال العباد والمخلوقات إلى الله تعالى أو أنيط فيها تأثير الأشياء بإذن الله تعالى ومشيئته ، لكن استناد الأفعال والآثار إلى الله سبحانه لا يوجب سلب انتسابها إلى عللها المتوسطة وتأثير العلل باذن ربها ، فاستناد خلق الانسان إلى الله تعالى لا ينافي توسط ملائكة وتأثير أسباب ومعدات بل يستلزمها ، لا لأنه سبحانه يحتاج إليها وقدرته على الخلق يتوقف عليها بل لأن مرتبة الفعل هي التي تقتضي ذلك ، فكل معلول له مرتبة تخصه وحدود يتشخص بها بحيث لو تبدل بعضها إلى بعض لانقلب إلى شئ آخر ، كما أن كل عدد له مرتبة خاصة لا يتقدم عليها ولا يتأخر عنها وإلا لانقلب إلى عدد آخر ، وفيض الوجود مطلق لا يقيد من ناحية ذات المفيض تعالى بشئ بل مجارى الفيض هي التي تحدده حتى تتقدر باقدار خاصة تسعها ظروف المعاليل المتأخرة " وما ننزله إلا بقدر معلوم " فتقدره إنما هو عند نزوله واما عنده تعالى فالخزائن التي لا تتناهى وقد جرت سنته تعالى باجراء الأمور من أسبابها ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا . نعم ، من الأسباب ما يكون واضحا وكيفية تأثيره وشرائطه معروفة ومنها ما يكون خفيا لا يطلع عليها إلا الخواص بعد جهد بالغ وتجارب كثيرة ، ومنها ما يكون غير عادى لا يستطاع الحصول عليه إلا لمن شاء الله تعالى فربما يدعى من لا يعرف هذين النوعين من الأسباب انحصار سبب شئ في ما هو الواضح المتعارف ، كما كان الناس يزعمون استحالة كثير من الأمور التي حصلت اليوم ببركة العلم الحديث ، وكما كان كثير من الأقوام يزعمون استحالة حدوث بعض الآيات قبل مشاهدتها ويسندونها إلى سحر الأعين بعد رؤيتها . لكن العقل السليم لا يأبى وجود أسباب خفية على الناس وغير طائعة لهم كما لا ينكر تأثير نفوس قدسية بأمر الله تعالى ولا يعد المعجزات وخوارق العادات تجويزا للمحال ولا ناقضا لقانون العلية ، لكن يأبى استناد الحوادث أياما كانت بلا واسطة إلى الله تعالى لاستلزام ذلك اختلال سلسلة العلل والمعاليل وتقدر الفيض من غير مقدر والترجح بلا مرجح وأما مرجحية إرادة الله تعالى ومقدريتها للفيض فالإرادة ان فرضت حادثة في ذاته سبحانه استلزمت صيرورة الذات محلا للحوادث ومعرضا للكيفيات - جل وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - وان فرضت حادثة في خارج ذاته كانت مخلوقه له محتاجه إلى إرادة أخرى متسلسلة وتغيير العبارة والتعبير بالمشيئة لا يحل المشكلة وان فرضت قديمة لزم انفكاك المعلول عن العلة وأما الإرادة المنتزعة عن مقام الفعل فمنشأ انتزاعها نفس الفعل فلا تكون مرجحة له وهذا ليس بمعنى اشتراط قدرته تعالى على الفعل بحصول الأسباب واجتماع الشرائط واستعداد المواد ، فان قدرته تعالى ليست محدودة بشئ ولا متوقفة على شئ ، بل بمعنى نقص المقدور ومحدوديته ذاتا وتأخره عن علله رتبة وارتباطه بها ثبوتا ، وبعبارة أخرى المعلول الخاص هو الذي يكون محدودا بحدود وقيود خاصة وإلا لم يكن ذاك المعلول لا أن الله تعالى لا يكون قادرا على ايجاد هذا المعلول إلا بهذه الخصوصيات كما أنه لا ينافي تكون الأشياء بنفس امر الله تعالى ، فان أمره يوجب وجودها في ظروفها وعلى حدودها ، وتعين الحدود والقيود من شؤون الموجود بأمر الله تعالى لامن قيود أمره وايجاده فافهم . إذا عرفت هذه الأمور علمت أن قواعد الفلسفة لا تنفي خوارق العادات وتكون الأشياء من غير طريق أسبابها المتعارفة ، كما لا توجب محدودية قدرته تعالى وتوقفها على حصول استعدادات للمواد ، وان أنكر ذلك منكر فلا يعاب به على القواعد العقلية كما لا يعاب بغلط المحاسب على قواعد الحساب ، فنفس القواعد امر واجراؤها في مواردها امر آخر . والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم .