العلامة المجلسي
167
بحار الأنوار
هذا السجود إلى أنها في أنفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما ، لأنه لا يرجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح . إذا عرفت هذا فنقول : من الناس من قال : المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد والدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود ، ومنهم من قال : المراد بالسجود ههنا هو المعنى الأول ، لان اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى ، لان السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات والنباتات والجمادات . ومنهم من قال : السجود لفظ مشترك بين المعنيين ، وحمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز ، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الامرين معا ، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع ، وأما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى . وهذا القول ضعيف لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معا غير جائز . قوله " من دابة " قال الأخفش : يريد من الدواب ، وقال ابن عباس : يريد كل ما دب على الأرض . فإن قيل : ما الوجه في تخصيص الدواب والملائكة بالذكر ؟ قلنا : فيه وجوه : الأول : أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى ، لان أخسها الدواب وأشرفها الملائكة ، فلما بين في أخسها وأشرفها كونها منقادة لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلا على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى . والوجه الثاني : قال حكماء الاسلام : الدابة اشتقاقها من الدبيب ، والدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية ، فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب فلما ميز الله الملائكة من الدابة علمنا أنها ليست مما يدب بل هي أرواح محضة مجردة . ويمكن الجواب عنه بأن الطير بالجناح مغائر للدبيب ( 1 ) بدليل قوله تعالى " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ( 2 ) " - انتهى - ( 3 ) .
--> ( 1 ) في المصدر : بان الجناح للطيران مغائر للدبيب . ( 2 ) الانعام : 31 . ( 3 ) مفاتيح الغيب : ج 20 ، ص 43 .