العلامة المجلسي
306
بحار الأنوار
إليه وهما يعاقبان . ولما ظهر فساد هذا القول فنقول : السبب في إنزالهما وجوه : أحدها أن السحرة كثرت في ذلك الزمان ، واستنبطت أبوابا غريبة ، وكانوا يدعون النبوة ويتحدون الناس بها ، فبعث الله تعالى هذين الملكين لأجل أن يعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الذين كانوا يدعون النبوة كذبا ، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد . وثانيها : أن العلم بكون المعجزة مخالفا للسحر متوقف على العلم بماهية المعجزة ( 1 ) والناس كانوا جاهلين بماهية السحر فلا جرم تعذرت عليهم معرفة حقيقة المعجزة فبعث الله هذين الملكين لتعريف ماهية السحر لأجل هذا الغرض . وثالثها لا يمتنع أن يقال : السحر الذي يوقع الفرقة بين أعداء الله والألفة بين أولياء الله كان مباحا عندهم أو مندوبا ، فالله تعالى بعث الملكين لتعليم السحر لهذا الغرض . ثم إن القوم تعلموا ذلك منهما واستعملوه في الشر وإيقاع الفرقة بين أولياء الله والألفة بين أعداء الله . ورابعها أن تحصيل العلم بكل شئ حسن ولما كان السحر منهيا عنه وجب أن يكون متصورا معلوما ، لان الذي لا يكون متصورا امتنع النهي عنه . وخامسها لعل الجن كان عندهم أنواع من السحر لم يقدر البشر على الاتيان بمثلها ، فبعث الله الملائكة ليعلموا البشر أمورا يقدرون بها على معارضة الجن . وسادسها يجوز أن يكون ذلك تشديدا في التكليف من حيث إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم منعه من استعمالها كان ذلك في نهاية المشقة ، فيستوجب به الثواب الزائد ، كما ابتلي قوم طالوت بالنهر على ما قال " فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني " فثبت بهذه الوجوه أنه لا يبعد من الله تعالى إنزال الملكين لتعليم السحر . المسألة الرابعة : قال بعضهم : هذه الواقعة إنما وقعت في زمان إدريس عليه السلام
--> ( 1 ) في المصدر : وبماهية السحر .