العلامة المجلسي

302

بحار الأنوار

و " الشياطين " بالرفع ، والمعنى واحد . أما قوله تعالى " وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت " ففيه مسائل الأولى ما في قوله " وما أنزل " فيه وجهان : الأول أنه بمعنى الذي ، ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال : أولها أنه عطف على السحر ، أي يعلمون الناس السحر ، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضا . وثانيها أنه عطف على قوله " ما تتلوا الشياطين " أي واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وما أنزل على الملكين ، لان السحر منه ما هو كفر وهو الذي تتلوا الشياطين ، ومنه ما تأثيره بالتفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين ، فكأنه تعالى أخبر عن اليهود بأنهم اتبعوا كلا الامرين ولم يقتصروا على أحدهما . وثالثها أن موضعه جر عطفا على " ملك سليمان " وتقديره : ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين ، وهو اختيار أبي مسلم . وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلا عليهما ، واحتج عليه بوجوه : الأول أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله تعالى وذلك غير جائز ، لان السحر كفر وعبث ولا يليق بالله تعالى إنزال ذلك . الثاني أن قوله " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر " يدل على أن تعليم السحر كفر ، ولو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر ، وذلك باطل . الثالث كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بالطريق الأولى . الرابع أن السحر لا يضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة ، فكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب ؟ ! وهل السحر إلا الباطل المموه ؟ وقد جرت عادة الله تعالى بإبطاله ، كما قال في قصة موسى عليه السلام " ما جئتم به السحر إن الله سيبطله " . ثم إنه سلك في تفسير الآية مسلكا آخر يخالف قول أكثر المخالفين ، فقال كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرءا عنه ، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر ، مع أن المنزل عليهما كان مبرءا عن السحر ، وذلك لان المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى