العلامة المجلسي

160

بحار الأنوار

فالأرض وسط العالم وهي محفوفة بكرة الماء ، والماء محفوف بالهواء ، والهواء بالنار ، ثم هذه الأربعة بكرات الأفلاك إلى آخر العالم الجسماني ، فهذه الأجسام كأنها صفوف واقفة على عتبة جلال الله تعالى ، وأما الجواهر الروحانية الملكية فهي على اختلاف درجاتها وتباين صفاتها مشتركة في صفتين : أحدهما التأثير في عالم الأجسام بالتحريك والتصرف ( 1 ) وإليه الإشارة بقوله " فالزاجرات زجرا " فانا بينا أن المراد من هذا الزجر السوق والتحريك ، والثاني الادراك والمعرفة والاستغراق في معرفة الله والثناء عليه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى " فالتاليات ذكرا " ولما كان الجسم أدنى منزلة من الأرواح المشتغلة بالتصرف في الجسمانيات وهي أدون منزلة من الأرواح المستغرقة في معرفة جلال الله المقبلة على تسبيح الله كما قال " ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته " ( 2 ) لا جرم بدأ في المرتبة الأولى بذكر الأجسام ، ثم ذكر الأرواح المدبرة لأجسام هذا العالم ، ثم ذكر أعلى الدرجات وهي الأرواح المقدسة المتوجهة بكليتها إلى معرفة جلال الله والاستغراق في الثناء عليه ، فهذه احتمالات خطرت بالبال ، والعالم بأسرار كلام الله ليس إلا الله ( 3 ) . " فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون " قال البيضاوي : أمر باستفتائهم حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين في قولهم الملائكة بنات الله ، وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخرى : التجسيم وتجويز الفناء على الله ، فإن الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة ، وتفضيل أنفسهم عليه على وجه القسمة حيث جعلوا أوضع الجنسين له ، وأرفعهما لهم ، واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم ، ولذلك كرر الله إنكار ذلك وإبطاله في كتابه مرارا ، وجعله مما يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ، والانكار ههنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما ، ولان فسادهما مما تدركه العامة بمقتضى طباعهم ، حيث جعل

--> ( 1 ) في المصدر : والتصريف . ( 2 ) الأنبياء : 19 . ( 3 ) مفاتيح الغيب : ج 7 ، ص 122 - 125 .