الشيخ باقر شريف القرشي
157
حياة الإمام موسى بن جعفر ( ع )
ومضى إلى الجامع النبوي ، فوجد العمري قد سبقه ، فلما رأى الامام مقبلا قام إليه تكريما وانطلق يهتف : « اللّه أعلم حيث يجعل رسالته في من يشاء » . فبادر إليه أصحابه منكرين عليه هذا الانقلاب ، فأخذ يخاصمهم ، ويتلو عليهم مناقب الامام ومآثره ، ويدعو له ، فالتفت ( ع ) إلى أصحابه قائلا : « أيما كان خيرا ؟ ما أردتم أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار ؟ » « 1 » . لقد كان موقف الامام مع جميع مناوئيه ومبغضيه موقف اللطف والاحسان فقد وضع نصب عينيه قوله تعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وبذلك فقد أعطى لأصحابه درسا رائعا لكيفية النصح والارشاد وبين لهم أن الدعوة والتبشير لا بد أن يبتنيان على الحق الرفيع ، ويرتكزان على سعة الصدر والحلم ، وإذا لم يحفها ذلك فإنها لا تكاد تجدي في ميادين الاصلاح . ومن آيات حلمه ( ع ) أنه اجتاز على جماعة من حساده وأعدائه ، وكان فيهم ابن هياج فأمر بعض اتباعه أن يتعلق بلجام بغلة الامام ويدعيها فمضى الرجل إلى الامام وتعلق بزمام بغلته فادعاها له فعرف الامام غايته فنزل عن بغلته وأعطاها له « 2 » . لقد أقام ( ع ) بذلك أسمى مثل للانسانية الفذة والحلم الرفيع . وكان ( ع ) يوصي أبناءه بالتحلي بهذه الصفة الرفيعة ويأمرهم بالصفح عمن أساء إليهم فقد جمعهم وأوصاهم بذلك فقال : « يا بني : إني أوصيكم بوصية من حفظها انتفع بها ، إذا أتاكم آت
--> ( 1 ) تأريخ بغداد : ( ج 13 ص 28 - 29 ) كشف الغمة : ( ص 247 ) . ( 2 ) البحار : ( ج 11 ص 277 ) .