الشيخ باقر شريف القرشي
146
حياة الإمام موسى بن جعفر ( ع )
ثم إنه تركه وانصرف عنه ، وهام شقيق في تيار من الهواجس والأفكار ، وأخذ يقول : يا للّه ! يا للعجب ! ! إنه تكلم بما انطوت عليه نفسي مرتين . إنه من الابدال . إنه من المنيبين المهتدين ، وأخذ يطيل التفكير في شأنه ، وسارت القافلة تطوي البيداء ، فلما انتهت إلى ( الأبواء ) خرج شقيق يتجول فيها فوقع نظره على الفتى فبادر إليه ، وإذا به واقف على بئر يستقي منها ، وبيده ركوة قد سقطت في البئر فرمق السماء بطرفه ، وجعل يخاطب اللّه بمنتهى الخضوع والايمان قائلا : أنت شربي إذا ظمئت من الما * ء وقوتي إذا أردت الطعاما « إلهي : وسيدي ، مالي سواك فلا تعدمنيها . . » . ولم يزد على ذلك حتى ارتفع الماء فورا ، إلى رأس البئر والركوة طافية عليه ، فمد يده فتناولها ثم توضأ منها ، وصلى أربع ركعات ، ثم مال إلى كثيب من الرمل فتناول منه قبضة وجعلها في الركوة فحركها وشرب منه ، فسلم عليه شقيق وقال له : - اطعمني ، مما رزقك اللّه . - يا شقيق : لم تزل نعم اللّه علي ظاهرة وباطنة ، فأحسن ظنك بربك ثم ناوله الركوة فشرب منها ، فإذا فيها سويق وسكر ، فما شرب شقيق - كما يقول - شرابا قط ألذ ولا أطيب منه ، وبقي أياما وهو لا يشتهي الطعام والشراب ، ثم إنه مضى عنه ، فلم يجتمع به إلا بمكة ، فرآه إلى جانب ( قبة الشراب ) في غلس الليل البهيم وهو قائم يصلي بخشوع وأنين وبكاء ، فلم يزل كذلك حتى انبثق نور الفجر ، ثم إنه قام إلى ( حاشية المطاف ) فركع ركعتي الفجر ، وصلى صلاة الصبح مع الناس ، ثم انعطف