الشيخ باقر شريف القرشي
79
حياة الإمام زين العابدين ( ع )
الباغية معاوية بن أبي سفيان الذي هو وصمة عار وخزي على العالم العربي والإسلامي . فإنه حينما استوى على أريكة الحكم ظهرت نزعاته الجاهلية ، وحقده البالغ على الإسلام والمسلمين ، فقد سخر جميع أجهزة دولته على محو الإسلام من خارطة الوجود واتخذ أشد الإجراءات القاسية ضد أهل البيت عليهم السلام ففرض سبهم على المنابر والمآذن ، كما قام بالتصفية الجسدية لشيعتهم الذين كانوا يمثلون الوعي الديني والسياسي في الإسلام . ولما أشرف الإمام زين العابدين ( ع ) على ميعة الشباب فجع بوفاة عمه الإمام الحسن ريحانة رسول الله ( ص ) فقد اغتاله بالسم كسرى العرب معاوية بن هند « 1 » ، وقد ترك ذلك حزنا عميقا في نفس الإمام ( ع ) وبقية أفراد الأسرة النبوية فقد أذهلهم هذا المصاب الجلل . ومن أعظم المحن التي مني بها الإمام أنه رأى السيوف الآثمة في صعيد كربلاء ، وهي تحصد رؤوس الصفوة من أهل بيت النبوة بصورة مفجعة لم يعهد لها نظير في تأريخ الأمم والشعوب ، وبعد مصرع تلك الكوكبة من دعاة العدالة والحق ، أحاط الجناة من أجلاف أهل الكوفة بالإمام زين العابدين عليه السلام فأحرقوا خباءه وأخبية عقائل النبوة ، وحملوه أسيرا إلى طاغية لئيم وضيع ، وهو ابن مرجانة فقابله بالشماتة والازدراء ، والإمام صابر قد أوكل أمره إلى الله ، وبعد ذلك حمل إلى لقيط آخر وهو يزيد بن معاوية ، وقد جرت عليه من المحن والخطوب ما تذوب لها لفائف القلوب ، وقد تجرع ( ع ) تلك الآلام القاصمة راضيا بقضاء الله ، فأي نفس كانت نفسه وأي ضمير كان ضميره ؟ أما نفسه فإنها قد رجعت عند كل هول عصف بها إلى خالق الكون وواهب الحياة ، وأما ضميره فهو الطاهر النقي الذي هو أصلب وأقوى من كل شيء . لقد كان الصبر على المصائب من عناصره وذاتياته ، وقد أثر عنه في مدح الصبر أنه رأس طاعة الله « 2 » ومن عظيم صبره أنه سمع ناعية في بيته ،
--> ( 1 ) منحه هذا اللقب الخليفة الثاني . ( 2 ) الإمام زين العابدين للمقرم ( ص 19 ) .