العلامة المجلسي
173
بحار الأنوار
أجمع ويؤديها إلى التلف . وأما النبات فكان يطول عليه حر النهار ووهج الشمس حتى يجف ويحترق ، وكذلك الليل لو امتد مقدار هذه المدة كان يعوق أصناف الحيوان عن الحركة والتصرف في طلب المعاش حتى تموت جوعا ، وتخمد الحرارة الطبيعية من النبات حتى يعفن ويفسد ، كالذي تراه يحدث على النبات إذا كان في موضع لا تطلع عليه الشمس . اعتبر بهذا الحر والبرد كيف يتعاوران العالم ، ويتصرفان هذا التصرف من الزيادة والنقصان والاعتدال لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة ، وما فيهما من المصالح ، ثم هما بعد دباغ الأبدان التي عليها بقاؤها وفيها صلاحها ، فإنه لولا الحر والبرد وتداولهما الأبدان لفسدت وأخوت وانتكثت . فكر في دخول أحدهما على الآخر بهذا التدريج والترسل ، فإنك ترى أحدهما ينقص شيئا بعد شئ ، والآخر يزيد مثل ذلك حتى ينتهي كل واحد منهما منتهاه في الزيادة والنقصان ، ولو كان دخول أحدهما على الآخر مفاجأة لأضر ذلك بالأبدان وأسقمها كما أن أحدكم لو خرج من حمام حار إلى موضع البرودة لضره ذلك وأسقم بدنه ، فلم جعل الله عز وجل هذا الرسل ( 1 ) في الحر والبرد إلا للسلامة من ضرر المفاجأة ؟ ولم جرى الامر على ما فيه السلامة من ضر ( 2 ) المفاجأة لولا التدبير في ذلك ؟ فإن زعم زاعم أن هذا الترسل في دخول الحر والبرد إنما يكون لابطاء مسير الشمس في الارتفاع والانحطاط سئل عن العلة في إبطاء مسير الشمس في ارتفاعها وانحطاطها ، فإن اعتل في الابطاء ببعد ما بين المشرقين سئل عن العلة في ذلك ، فلا تزال هذه المسألة ترقى معه إلى حيث رقى من هذا القول حتى استقر على العمد والتدبير . لولا الحر لما كانت الثمار الجاسية المرة تنضج فتلين وتعذب حتى يتفكه بها رطبة ويابسة ، ولولا البرد لما كان الزرع يفرخ هكذا ويريع الريع الكثير الذي يتسع للقوت وما يرد في الأرض للبذر ، أفلا ترى ما في الحر والبرد
--> ( 1 ) الترسل ( خ ) . ( 2 ) ضرر ( خ ) .