السيد محسن الأمين
170
أعيان الشيعة
الناس ؟ فقال العلماء ، قيل : فمن الملوك ؟ قال قيل الزهاد ، فمن الاشراف ؟ قال المتقون ، قيل فمن الغوغاء ؟ قال القصاص قيل فمن السفل ؟ قال الظلمة . كان خالد بن عبد الله القسري لا يحتجب ، كما يحتجب الامراء ، ويقول : لا يحتجب الوالي الا لثلاث خصال : اما رجل عيي يكره ان يطلع الناس على عيه ، واما رجل مشتمل على سوأة فهو يكره ان يرى الناس منه ذلك واما رجل بخيل يكره ان يسال . كتب عمر بن الخطاب إلى ابنه : اتق الله فإنه لا عمل لمن لا نية له ، ولا مال لمن لا رفق له ، ولا حرمة لمن لا دين له . وقال : النساء عورات فاستروهن بالبيوت ، وداووا ضعفهن بالسكوت ، وأخيفوهن بالضرب ، وباعدوهن من الرجال ، ولا يسكنوهن الغرف ، ولا تعلموهن الكتابة ، وعودوهن العري فإنهن إذا عرين لم يخرجن من بيوتهن ، وأكثروا عليهن من قول لا ، فان نعم يغريهن بالمسألة . وقال غيره : الايادي ثلاث يد بيضاء وهي الابتداء بالمعروف ، ويد خضراء وهي طلب المكافاة ، ويد سوداء وهي المن بالمعروف . قال محمد بن واسع لصديق له رآه حريصا على الدنيا : يا أخي ! أنت طالب ومطلوب ، يطلبك من لا تفوته ، وتطلب ما قد كفيته ، وكأنك بما غاب عنك قد كشف لك ، وما أنت فيه قد نقلت عنه كأنك لم تر حريصا محروما ، ولا زاهدا مرزوقا . وقال عمر بن الخطاب : كفى بك عيبا ان يبدو لك من أخيك ما يخفى عليك من نفسك ، أو تؤذي جليسك فيما لا يعنيك ، أو تعيب شيئا وتأتي مثله . وقال غيره : أول العلم الصمت والاستماع ثم الحفظ ثم المذاكرة ، ثم التعليم ، ثم النشر ، من عاش متعلما مات عالما . وقال أبو عمرو بن العلاء : كل شئ طلبته في وقته فقد فات وقته ، وقال : صاحب الصمت لا يجوز نفعه نفسه ، وصاحب النطق يتكلم فينفع نفسه وغيره . وقال المسيح ع ما زهد في الدنيا من جزع من المصائب فيها . وقال أيضا : حتى متى تصفون الطريق للمدلجين ! وأنتم مقيمون في محلة المتحيرين تصفون من البعوض شرابكم ، وتبتلعون الجمال بأحمالها ، ان الزق إذا نغل لم يصلح ان يكون وعاء للعسل ، وان قلوبكم قد نغلت فلا تصلح للحكمة ، وكم مذكر بالله ناس الله ، وكم مخوف بالله جرئ على الله وكم داع إلى الله هارب من الله ، وكم تال لكتاب الله منسلخ من آيات الله . أمر بعض الملوك ان يستخرج له كلمات من الحكمة ليعمل بها ، فاستخرجت له أربعون ألف كلمة فاستكثرها فاختير منها أربعة آلاف كلمة ، ثم لم يزل ينقص منها حتى رجعت إلى اربع كلمات وهي : لا تثقن بامرأة ، لا تحملن معدتك فوق طاقتها ، احفظ لسانك ، خذ من كل شئ ما كفاك . وقال الصادق ع : اني لاملق فأتاجر الله بالصدقة فاتسع . قيل للحسن بن صالح لم لا تخضب ؟ فقال : الخضاب زينة ونحن في مأتم . وقال أبو خازم : الدنيا جيفة فان رضيت بها فاصبر على مقارنة الكلاب فيها . وقال آخر : اتقوا الله عباد الله فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم الا المهل المبسوط لكم ، يا قوم استغنموا نفس الاجل ، وامكان العمل واقطعوا ذكر المعاذير والعلل ، فإنكم في اجل محدود ونفس معدود وعمر غير ممدود . اعتل بعض الزهاد فكان الناس يعودونه فقال يوما : اللهم كما أنسيتني الناس فأنسهم إياي . ونظر الفضيل إلى رجل يشكو إلى صديق له ما هو فيه من الضر والإضافة فقال يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك . قال مبارك بن فضالة : سمعت الحجاج يقول في خطبته : ان الله عز وجل أمرنا بطلب الآخرة وضمن لنا مؤونة الدنيا ، فيا ليته ضمن لنا الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا ، قال فذكرت ذلك للحسن البصري فقال ضالة مؤمن عند فاسق فخذها . هذا آخر ما وجدناه في كتاب أحمد بن مسكويه وكانت النسخة التي نقلنا عنها ناقصة ونقصانها نحو من صفحة أو أقل إلى ورقة . المراسلة بينه وبين بديع الزمان الهمذاني قال ياقوت في معجم الأدباء : وللبديع الهمذاني إلى أبي علي مسكويه يعتذر من شئ بلغه عنه بعد مودة كانت بينهما : ويا عز ان واش وشى بي عندكم * فلا تمهليه ان تقولي له مهلا كما لو وشى واش بعزة عندنا * لقلنا تزحزح لا قريبا ولا اهلا بلغني أطال الله بقاء الشيخ ان قيضة كلب وافته بأحاديث لم يعرها الحق نوره ، ولا الصدق ظهوره ، وان الشيخ أذن لها على حجاب أذنه ، وفسح لها فناء ظنه ، ومعاذ الله ان أقولها ، وأستجيز معقولها ، بلى ! قد كان بيني وبينه عتاب لا ينزع كتفه ولا يجذب أنفه ، وحديث لا يتعدى إلى النفس وضميرها ، ولا تعرفه الشفة وسميرها ، وعربدة كعربدة أهل الفضل لا تتجاوز الدلال والادلال ، ووحشة يكشفها عتاب لحظة كغناء جحظة ، فسبحان من ربى هذا الامر حتى صار امرا ، وتأبط شرا ، وأوحش حرا وأوجب عذرا ، بل سبحان من جعلني في حيز العذر أشيم بارقته وأستحيل صاعقته ، وانا المساء اليه والمجني عليه والمستخف به ، لكن من بلي من الأعداء كما بليت ، ورمي من الحسدة بما رميت ، ووقف من الوجد والوحدة حيث وقفت ، واجتمع عليه من المكاره ما وصفت ، اعتذر مظلوما ، وأحسن ملوما ، وضحك مشتوما ولو علم الشيخ عدد أبناء الحدد وأولاد العد بهذا البلد ممن ليس له همة الا في شكاية أو حكاية أو سعاية أو نكاية لضن بعشرة غريب إذا بدر ، وبعيد إذا حضر ، ولصان مجلسه عمن لا يصونه عما رقي اليه ، فهبني قلت ما حكي له أليس الشاتم من اسمع أليس الجاني من أبلغ ، فقد بلغ من كيد هؤلاء القوم انهم حين صادفوا من الأستاذ نفسا لا تستفز ، وحبلا لا يهز ، دسوا اليه خدمه بما حرشوا به نارهم ، ورد علي مما قالوه فما لبثت ان قلت : فان يك حرب بين قومي وقومها * فاني لها في كل نائبة سلم فليعلم الشيخ الفاضل ان في كبد الأعداء مني جمرة وان في أولاد الزنا عندنا كثرة قصاراهم نار يشبونها أو عقرب يدببونها أو مكيدة يطلبونها ، ولولا أن العذر اقرار بما قيل ، واكره ان أستقيل ، بسطت في الاعتذار شاذروانا ، ودخلت في الاستقالة ميدانا لكنه امر لم أضع أوله فلا أتدارك آخره ، وقد أبى الشيخ أبو محمد الا ان يوصل هذا النثر الفاتر بنظم مثله ، فهاكه يلعن بعضه بعضا : مولاي ان عدت ولم ترض لي * ان أشرب البارد لم أشرب امتط خدي وانتعل ناظري * وصد بكفي حمة العقرب بالله ما انطق عن كاذب * فيك ولا أبرق عن خلب فالصفو بعد الكدر المفترى * كالصحو بعد المطر الصيب ان اجتن الغلظة من سيدي * فالشوك عند الثمر الطيب أو نفذ الزور على ناقد * فالخمر قد تعصب بالثيب