الشيخ باقر شريف القرشي

388

حياة الإمام الحسين ( ع )

وانبرت السيدة بكل خضوع وتقدير فسمحت لضيفها الكبير بالدخول إلى منزلها ، وقد حازت الشرف والمجد فقد آوت سليل هاشم ، وسفير ريحانة رسول اللّه ( ص ) وأدخلته في بيت في دارها غير البيت الذي كانت تأوي إليه ، وجاءته بالضياء والطعام ، فأبى أن يأكل ، فقد مزق الأسى قلبه الشريف ، وأيقن بالرزء القاصم ، وتمثلت أمامه الأحداث الرهيبة التي سيواجهها ، وكان أكثر ما يفكر به كتابه للحسين بالقدوم إلى الكوفة ولم يمض قليل من الوقت حتى جاء بلال ابن السيدة طوعة ، فرأى أمه تكثر الدخول والخروج إلى ذلك البيت لتقوم برعاية ضيفها ، فأنكر عليها ذلك ، واستراب منه ، فسألها عنه ، فأنكرته فالح عليها فأخبرته بالأمر بعد أن أخذت عليه العهود والمواثيق بكتمان الأمر . . وطارت نفس الخبيث فرحا وسرورا ، وقد أنفق ليله ساهرا يترقب بفارغ الصبر انبثاق نور الصبح ليخبر السلطة بمقام مسلم عندهم . . وقد تنكر هذا الخبيث للأخلاق العربية التي تلزم بقرى الضيف وحمايته ، فقد كان هذا الخلق سائدا حتى في العصر الجاهلي . . وانا لنتخذ من هذه البادرة مقياسا عاما وشاملا لانهيار القيم الأخلاقية والانسانية في ذلك المجتمع الذي تنكر لجميع العادات والقيم العربية . وعلى أي حال فقد طوى مسلم ليلته حزينا ، قد ساورته الهموم ، وتوسد الارق ، وكان فيما يقول المؤرخون قد قضى شطرا من الليل في عبادة اللّه ما بين الصلاة وقراءة القرآن ، وقد خفق في بعض الليل فرأى عمه أمير المؤمنين ( ع ) فأخبره بسرعة اللحاق به فأيقن عند ذلك بدنو الأجل المحتوم منه .