العلامة المجلسي
308
بحار الأنوار
بأنفسها غير مركبة ، فمن امتزاج الحرارة واليبس حصلت النار ، ومن الرطوبة والبرد حدث الماء ، ومن الحرارة والرطوبة حدث الهواء ، ومن امتزاج البرد واليبس حصلت الأرض ، ثم قال : إن الحرارة لما حركت طبيعة الماء والأرض تحرك الماء للطفه عن ثقل الأرض ، وانقلب ما أصابه من الحر فصار بخارا لطيفا هوائيا رقيقا روحانيا ، وهو أول دخان طلع من أسفل الماء وامتزج بالهواء فسما إلى العلو لخفته ولطافته ، وبلغ الغاية في صعوده على قدر قوته ونفرته من الحرارة ، ثم وقف فكان منه الفلك الأعلى ، وهو فلك زحل ، ثم حركت النار الماء أيضا فطلع منه دخان هو أقل لطفا مما صعد أو لا وأضعف ، فلما صار بخارا سما إلى العلو بجوهره ولطافته ولم يبلغ فلك زحل لقلة لطافته عما قبله فكان منه الفلك الثاني ، وهو فلك المشتري ، وهكذا بين طلوع الدخان مرة مرة وتكون الأفلاك الخمسة الباقية عنه . ثم قال : والأفلاك السبعة بعضها في جوف بعض ، وبين كل فلكين منها هواء واسع مملو أجزاء لا تتحرك . ونقل صاحب الملل والنحل عن ( فلو طرخيس ) أيضا من الحكماء القدماء أنه قال : أصل المركبات هو الماء ، فإذا تخلخل صافيا وجدت النار ، وإذا تخلخل وفيه بعض الثقل صار هواء ، وإذا تكاثف تكاثقا مبسوطا بالغا صار أرضا . وقد مر نقلا من التورية أن مبدء الخلق جوهر خلقه الله ثم نظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء إلى آخر ما مر ، وقريب منه ما رواه العامة عن كعب أنه قال : إن الله خلق ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ، ثم وضع العرش على الماء ، كما قال تعالى ( وكان عرشه على الماء ) . وقيل : أول المخلوقات الهواء ، كما دل عليه ما ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره ، والظاهر أنه اخذ من خبر ، لكن لا تعارض به الأخبار الكثيرة المسندة ومع صحته يمكن الجمع بحمل أولية الماء على التقدم الإضافي بالنسبة إلى الأجسام المشاهدة المحسوسة التي يدركها جميع الخلق ، فإن الهواء ليس منها ، و