محمد بن عمر بحرق الحضرمي الشّافعي
14
حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار ( المسمى تبصرة الحضرة الأحمدية الشّاهدية بسيرة الحضرة الأحمدية النبوية )
ونشأته حتّى مبعثه ، وما جاء بعد ذلك من دعوة النّاس إلى الدّين القيّم ، وما لقي صلى اللّه عليه وسلم في سبيل نشر هذا الدّين من عنت ومعارضة ، وما جرى بينه عليه الصّلاة والسّلام وبين من عارضوه من صراع بالبيان والسّنان ، وذكر من استجاب له ، حتّى علت راية الحق ، وأضاءت شعلة الإيمان . تاريخ التّأليف في السّيرة وأشهر كتبها : إن أوّل ما يلفت الانتباه في سير الأنبياء أن السّيرة النّبويّة أصح سيرة لتاريخ نبيّ مرسل ، ولم نعرف على مدى التّاريخ البشريّ كلّه أمّة من أمم الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام ، سعدت بمثل ما جاء في القرآن الكريم عن الرّسالة والرّسول ، ولا حظيت بمثل تلك المجموعة الثّمينة من الأحاديث النّبويّة ، ذلك السّجل الخالد ، بل كانت هناك حلقات مفقودة في حياة رسلها ، لا يمكن البحث عنها ، والاهتداء إليها . أمّا خاتم الرّسل محمّد صلى اللّه عليه وسلم فهو الرّسول الّذي نعرف عنه كل دقيق وجليل ، ونعرف عنه من دقائق الأخلاق والصّفات ، والميول والرّغبات ، والقول والعمل ، ما لا نعرفه عن غيره من النّبيّين عليهم الصّلاة والسّلام . ومن رحمة اللّه تعالى أن كانت هذه الأمّة تملك قوّة الذّاكرة ، وسرعة الحفظ والاستظهار ، ممّا يسّر لها الجمع والاستحضار ، ولا عجب في ذلك فقد بهرهم الوحي بقوّة بيانه ، وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه ، واستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه ، فكان الحفظ في الصّدور ، والتّدوين في السّطور ، وكانت الصّبغة الّتي شاء اللّه أن تكون . لقد اهتم المسلمون الأوائل اهتماما كبيرا بأحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسننه الفعليّة والقوليّة ، قبل أن تدوّن الأحاديث تدوينا عامّا في آخر القرن الأوّل الهجري - ولم يكن قد دوّن في تاريخ العرب أو السّيرة شيء إلى أن مضت أيّام الخلفاء الرّاشدين - فكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمّد بن حزم - وهو من كبار المحدّثين - طالبا منه أن يدوّن أحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كتاب وزّعه على البلاد الإسلاميّة . وقد قام المحدّثون بعدها بجمع أحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كتب لا تلتزم منهجا معيّنا في التّرتيب والتّصنيف ، ولم تخل كتبهم من ذكر ما يتعلّق بسيرة النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وحياته ومغازيه ومناقبه وما إلى ذلك . وقد استمرّ هذا المنهج حتّى بعد انفصال السّيرة عن الأحاديث في التّأليف . ثم صنّفت في السّيرة النّبويّة مصنّفات خاصّة بها . وقد كان في مقدّمة المؤلّفين في السّيرة أربعة : 1 - عروة بن الزّبير ( المتوفّى سنة 93 ه ) ، وكان فقيها ، محدّثا ، عالما بالحديث ، معروفا