ابن حزم
36
جوامع السيرة النبوية
الأولين والآخرين ، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة ، والغبطة والخلاص في الدنيا ، ولزوم الواجب ، وترك الفضول من كل شيء . وفقنا اللّه تعالى لطاعته عليه الصلاة والسلام في أمره ، والتأسي به في فعله ، إلا فيما يخص به ، آمين ، آمين . جمل من التاريخ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينفرد متقربا إلى اللّه عز وجل في غار معروف بغار حراء ، حبب إليه عليه صلوات اللّه وسلامه ذلك ، لم يأمره بذلك أحد من الناس ، ولا رأى من يفعل ذلك فتأسى به ، وإنما أراده اللّه تعالى لذلك ، فكان يبقى فيه عليه الصلاة والسلام الأيام والليالي ، ففيه أتاه الوحي . وأول ما أتاه جاءه الملك فقال له : اقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ ؛ فغطه حتى بلغ منه الجهد « 1 » ، ثم أرسله ، فقال : اقرأ ؛ فقال : ما أنا بقارئ ؛ فغطه الثانية كذلك ، ثم أرسله ، فقال : اقرأ ، مرتين أو ثلاثا ، فقال له : ما ذا أقرأ ؟ فقال : اقْرَأْ بِاسْم رَبِّك الَّذِي خَلَق . خَلَق الْإِنْسان مِن عَلَق . اقْرَأْ ورَبُّك الْأَكْرَم . الَّذِي عَلَّم بِالْقَلَم . عَلَّم الْإِنْسان ما لَم يَعْلَم « 2 » . وهذا أول ما نزل من القرآن . فأتى بها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم خديجة أم المؤمنين ، فكانت أول من آمن . ثم آمن من الصبيان على ، ثم آمن من الرجال أبو بكر الصديق ابن أبي قحافة واسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ ابن غالب بن فهر . وقيل : أول من آمن بعد خديجة أم المؤمنين : أبو بكر .
--> ( 1 ) غطه : أي ضمه ضما شديدا ليختبره جبريل . ( 2 ) سورة العلق الآيات 1 - 5 .