ابن حزم
34
جوامع السيرة النبوية
يعصب الحجر على بطنه من الجوع ، ومرة يأكل ما وجد ، لا يرد ما حضر ، ولا يتكلف ما لم يحضر ، ولا يتورع عن مطعم حلال ، إن وجد تمرا دون خبز أكله ، وإن وجد شواء أكله ، وإن وجد خبز بر أكله ، وإن وجد حلواء أو عسلا أكله ، وإن وجد لبنا دون خبز اكتفى به ، وإن وجد بطيخا أو رطبا أكله . لا يأكل متكئا ولا على خوان ، منديله باطن قدميه . لم يشبع من خبز بر ثلاثا تباعا حتى لقى اللّه تعالى ، إيثارا على نفسه ، لا فقرا ، ولا بخلا . يجيب الوليمة ، ويعود المرضى ، ويشهد الجنائز . يمشى وحده بين يدي أعدائه بلا حارس . أشد الناس تواضعا ، وأسكتهم في غير كبر ، وأبلغهم في غير تطويل ، وأحسنهم بشرا . لا يهوله شيء من أمور الدنيا . ويلبس ما وجد ، فمرة شملة ، ومرة برد حبرة يمانيا ، ومرة جبة صوف ، ما وجد من المباح ، لبس خاتم فضة ، فصه منه ، يلبسه في خنصره الأيمن ، وربما في الأيسر . يردف خلفه عبده أو غيره . يركب ما أمكنه ، مرة فرسا ، ومرة بعيرا ، ومرة حمارا ، ومرة بغلة شهباء ، ومرة راجلا حافيا بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة . يعود كذلك المرضى في أقصى المدينة . يحب الطيب ، ويكره الريح الردية . يجالس الفقراء ، ويواكل المساكين ، ويلزم أهل . . . « 1 » في أخلاقهم ، ويستألف أهل الشرف بالبر لهم .
--> ( 1 ) هنا سقط في الأصل ولعلها ( المروءة ) .