ابن حزم
165
جوامع السيرة النبوية
فغرزه في جوفه ، فجاش بالرواء « 1 » ، حتى كفى جميع أهل الجيش . وقيل : إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم ابن عمرو بن واثلة بن سهم بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن أبي حارثة وهو سائق بدن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ وقيل : بل نزل به البراء بن عازب . ثم جرت السفراء بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين كفار قريش ، وطال الخطب إلى أن أتاه صلى اللّه عليه وسلم سهيل بن عمرو ، فقاضاه على أن ينصرف عامه ذلك ، فإذا كان من قابل أتى معتمرا ، ودخل مكة وأصحابه بلا سلاح ، حاشا السيوف في القرب فقط ، فيقيم بها ثلاثا ولا مزيد ، على أن يكون بينهم صلح متصل عشرة أعوام ، يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا ، وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما - من رجل أو امرأة - رد إلى الكفار ، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يرد إلى المسلمين . فعظم ذلك على المسلمين ، حتى كان لبعضهم فيه كلام ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعلم بما علمه ربه تعالى ، وقد علم عليه السلام أن اللّه تعالى سيجعل للمسلمين فرجا مضمونا من عند اللّه تعالى ، وأنذر المسلمين بذلك ، وعلم عليه السلام أن هذا الصلح قد جعله اللّه تعالى سببا لظهور الإسلام . وأنس الناس بعد نفارهم ، وكره سهيل بن عمرو أن يكتب صدر الصحيفة « محمد رسول اللّه » وأبى علي بن أبي طالب ، وهو كاتب الصحيفة ، أن يمحو بيده « رسول اللّه » صلى اللّه عليه وسلم ، فمحا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الصفة بيده ، وأمر الكاتب أن يكتب « محمد بن عبد اللّه » . وأتى أبو جندل بن سهيل ، يرسف في قيوده ، فرده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أبيه بعد أن أجاره مكرز بن حفص ، فعظم ذلك على المسلمين ، فأخبرهم عليه السلام أن اللّه سيجعل له فرجا « 2 » .
--> ( 1 ) جاش بالرواء : فاض ماء كثير من مكان السهم وهذه معجزة له صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) هنا في هذا الموقف أنزل اللّه عز وجل سورة الفتح : « إِنَّا فَتَحْنا لَك فَتْحاً مُبِيناً » لِيَغْفِرَ لَك اللَّه ما تَقَدَّم مِن ذَنْبِك . . . » الآيات .