ابن حزم
152
جوامع السيرة النبوية
وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم حذيفة من اليمان عينا ، فأتاه بخبر رحيلهم ورحلت قريش وغطفان . فلما أصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد ذهب الأحزاب ، رجع عن الخندق إلى المدينة ، ووضع المسلمون سلاحهم ، فأتاه جبريل عن اللّه تعالى بالنهوض إلى بني قريظة ، وذلك بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم . ورأى قوم من المسلمين يومئذ جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة ديباج ، ثم مر عليهم دحية بعد ذلك . فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ألا يصلى أحد العصر إلا في بني قريظة : ونهض المسلمون ، فوافاهم وقت العصر في الطريق ، فقال بعض المسلمين : نصلى ، ولم نؤمر بتأخيرها عن وقتها . وقال آخرون : لا نصليها إلا حيث أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن نصليها . فذكر أن بعضهم لم يصلوا العصر إلا ليلا ؛ فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم يعنف من الطائفتين أحدا . أما التعنيف فإنما يقع على العاصي المتعمد المعصية وهو يعلم أنها معصية ؛ وأما من تأول قصدا للخير ، فهو - وإن لم يصادف الحق - غير معنف ؛ وعلم اللّه تعالى أننا لو كنا هناك ما صلينا العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة ولو بعد أيام ؛ ولا فرق بين نقله صلى اللّه عليه وسلم صلاة في ذلك اليوم إلى موضع بني قريظة ، وبين نقله صلاة المغرب ليلة مزدلفة ، وصلاة العصر من يوم عرفة إلى وقت الظهر ، والطاعة في ذلك واجبة . رجع الخبر : فأعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الراية علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، ونازل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حصونهم ، فاسمعوا المسلمين سب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلقى على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فعرض له بألا يدنو منهم من أجل ما سمع . فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم