العلامة المجلسي
250
بحار الأنوار
وضيق مع وفور النعمة ، ورخص أسعارها ، ولما أردت الرجوع مع سائر الزائرين لم يكن عندي شئ من الزاد حتى قرصة لقوت يومي ، فتخلفت عنهم ، وبقيت يومي إلى زوال الشمس فزرت مولاي وأديت فرض الصلاة فرأيت أني لو لم ألحق بهم لا يتيسر لي الرفقة عن قريب وإن بقيت أدركتني الشتاء ومت من البرد . فخرجت من الحرم المطهر مع ملالة الخاطر ، وقلت في نفسي : أمشي على أثرهم ، فان مت جوعا استرحت ، وإلا لحقت بهم ، فخرجت من البلد الشريف وسألت عن الطريق ، وصرت أمشي حتى غربت الشمس وما صادفت أحدا ، فعلمت أني أخطأت الطريق ، وأنا ببادية مهولة لا يرى فيها سوى الحنظل ، وقد أشرفت من الجوع والعطش على الهلاك ، فصرت أكسر حنظلة حنظلة لعلي أظفر من بينها بحبحب ( 1 ) حتى كسرت نحوا من خمسمائة ، فلم أظفر بها ، وطلبت الماء والكلاء حتى جنني الليل ، ويئست منهما ، فأيقنت الفناء واستسلمت للموت ، وبكيت على حالي . فتراءى لي مكان مرتفع ، فصعدته فوجدت في أعلاها عينا من الماء فتعجبت وشكرت الله عز وجل وشربت الماء وقلت في نفسي : أتوضأ وضوء الصلاة واصلي لئلا ينزل بي الموت وأنا مشغول الذمة بها ، فبادرت إليها . فلما فرغت من العشاء الآخرة أظلم الليل وامتلأ البيداء من أصوات السباع وغيرها وكنت أعرف من بينها صوت الأسد والذئب وأرى أعين بعضها تتوقد كأنها السراج ، فزادت وحشتي إلا أني كنت مستسلما للموت ، فأدركني النوم لكثرة التعب ، وما أفقت إلا والأصوات قد انخمدت ، والدنيا بنور القمر قد أضاءت ، وأنا في غاية الضعف ، فرأيت فارسا مقبلا علي فقلت في نفسي إنه يقتلني لأنه يريد متاعي فلا يجد شيئا عندي فيغضب لذلك فيقتلني ، ولا أقل من أن تصيبني منه جراحة .
--> ( 1 ) الحبحب : البطيخ الشامي الذي تسميه أهل العراق : الرقي ، والفرس : الهندي . قاله الفيروزآبادي والظاهر أنه يشبه الحنظل من حيث الصورة .