القاضي عبد الجبار الهمذاني
314
تثبيت دلائل النبوة
وباب آخر [ ما أشار إليه الرسول وهو في حال ضعفه من أن دينه سيغلب على الأديان كلها ويقهر الملوك جميعا . ] وهو أنه صلى اللّه عليه وسلم قال حين دعا إلى اللّه وفي حال وحدته وضعفه : إن اللّه أرسلني ووعدني أن يظهر ديني على الأديان كلها ، فيكون سلطاني أقهر من سلطان كسرى وقيصر ، فأغلب الملوك ، ويعلو ملكي وملك أنصاري وأتباعي كل ملك في الأرض . ثم ما رضي بهذا القول حتى جعله كتابا يقرأ وقرآنا مخلدا يتلى ، يعرفه العدو والوليّ فقال : « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ / رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً » « 1 » وقال أيضا : « يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » « 2 » فكان كما قال وكما أخبر ، فلم يرض أن أظهر دينه بالحجة حتى جعل أهله العالين بالقدرة والظاهرين بالمنعة والقاهرين الملوك والجبابرة بالعز والملكة . ثم ما رضي حتى أورده على وجه يغيظ ويغضب ويبعث على الممانعة والدفع والمغالبة ، وعلى وجه يجعل العدوّ على أهبة ، بخلاف تدبير حزمة الملوك ودهاة الجبابرة . فأخبر بهذا وديانات العرب قائمة وملوكهم على جزيرة العرب كلها مستولية ، وهي جزيرة عظيمة فيها عدة ملوك ، كل واحد منهم عظيم الشأن ، ثم ديانات اليهود وملوكهم ، وديانات النصارى والروم وملوكهم بالشام ومصر والمغرب والجزيرة وأرمينية ، إلى غير ذلك ، وديانات الفرس وممالكها ، وهي كانت أعظم ممالك الأرض وأوسعها ملكا وأشدها بأسا ، وممالك الهند . فغلب ملوك العرب في جزيرتها ، وغلب ملوك اليهود وممالك الفرس كلها ، وممالك النصرانية والروم ، فلم يبق ملك بحيث تناله الحوافر
--> ( 1 ) الفتح 28 ( 2 ) التوبة 32