القاضي عبد الجبار الهمذاني
85
تثبيت دلائل النبوة
وفي هذا المعنى قوله عز وجل « أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى » « 1 » فتأمل ما في هذا ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم ما عرف العزّ بالأبوين كما يعرف من رباه أبواه ؛ فان أباه مات وهو حمل ، وماتت أمه وهو رضيع ، فاواه اللّه أكرم إيواء ، فلما كمل ، آتاه النبوة وعصمه وصانه ، وأخبره ان الآخرة خير له من الأولى ، فإنّ آخر أمره في عاجل الدنيا في النصرة والعزّ ، وثواب الآخرة خير من الأولى ؛ « وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى » ، أي ذاهبا عن النبوة لا تدري ما هي ولا تعرف القرآن . وفي مثل هذا المعنى قوله عز وجل : ( أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ . وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ . الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ . وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) فإن ذكره ارتفع بالصدق والوفاء وقيام الحجة ، فما وجد له أعداؤه كذبة ولا ذلة ولا هفوة مع حرصهم على ذلك ، وما بارت له حجة ، ولا زلّت له قدم ، ولا أسكته خصم ، مع كثرة الخصوم له ، وطلب العلل وطول المجادلة . باب آخر [ من اعلامه قوله عز وجل « قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ » ] من أعلامه ، وهو قوله عز وجل « قُلْ : لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » « 2 » وفي هذا إخبار عن غيوب كثيرة ، لأنه قال لكل واحد من الإنس والجن : إنك لا تأتي بمثل هذا القرآن ولا أحد يأتي بمثله في كل حال منفردين ولا مجتمعين ، فما أتوا به مع حاجتهم إلى ذلك وشدة حرصهم عليه ، أفمن هذا تعجب ؟ أم من إقدامه على الإخبار بذلك وهو لا يعرف العرب كلها ولا
--> ( 1 ) الضحى 6 ( 2 ) الاسراء 88