القاضي عبد الجبار الهمذاني

40

تثبيت دلائل النبوة

شانئك هو الأقهر والأغلب والأظهر ، وأنت الأبتر ، فلو أنصفوا وتدبروا القرآن لما قالوا في المهاجرين والأنصار هذا القول . وباب آخر [ عرض المشركين على الرسول ان يعبد آلهتهم ويعبدوا إلهه ] وهو ان قريشا لما حرضوا على قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وإبادته وإطفاء نوره ، وعلى التنفير منه والصدّ عنه واللّه تعالى يصرفهم بألطافه عنه مشوا إليه ، وهم : الوليد بن المغيرة ، وعقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث بن كلدة ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن خلف ، والجماعة من قريش ، قالوا : يا محمد ، انك قد سفهت أحلامنا ، وكفّرت أسلافنا ، وعبت آلهتنا وأدياننا / ، وشتّتّ كلمتنا ، وقطّعت أرحامنا ، فهلمّ إلى أمر يكون بيننا وبينك ، فتعبد أنت آلهتنا التي نعبدها ونعبد إلهك ، وتعبد آلهتنا التي كنا عبدناها ونعبد إلهك ، ثم تعبد ما عبدنا ونعبد ما عبدت ؛ فإن كان معنا خير كنت قد أصبت منه ، وان كان معك خير كنا قد أصبنا منه ، وتكون كلمتنا سواء ، وتسالمنا ونسالمك ، وتكون لنا ونكون لك ؛ فأنزل اللّه تعالى : « قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ . لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ . وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ » فأخبر انه لا يصير ولا يجيب إلى ما قالوا ، ولا يقبلهم بهذا الشرط ، ولا يكونون على هذا الوجه عابدين للّه على الوجه الذي عبده ، فكان كما قال . وفي هذا غيوب كثيرة مفصلة جاءت كما أخبر ، وهذا لا يكون إلا من علّام الغيوب ، ولو لم يكن من آياته إلا هذا لكفى وأغنى . فهذا