القاضي عبد الجبار الهمذاني

26

تثبيت دلائل النبوة

نصرة هؤلاء وإجابتهم له صلّى اللّه عليه وسلم ومدافعة أبي طالب ، ما خرجوا ولا هو خرج من أن يكون ويكونوا بمكة مقهورين مغلوبين ، حتى فروا من عدوهم بأديانهم . فإن قيل : فإذا كان اللّه قد وعد هؤلاء الأنبياء بزعمك بالنصر والظهور فلم يفرّون من أعدائهم ؟ فقد فرّ موسى من فرعون ببني إسرائيل ليلا وخفية ومنع من إيقاد النيران لئلا يراها فرعون وجنوده فيستدلوا بها عليهم ومعه الآيات والمعجزات ، وفرّ عيسى من مكان إلى مكان بزعمكم وزعم النصارى ، فإنها تقول في اخبارها وأناجيلها ان يوسف النجار فرّ بعيسى وأمه إلى مصر من بيت المقدس خوفا من هيريدس « 1 » ملك بني إسرائيل ، فأقاموا بها اثني عشر سنة ومعه بزعمكم وزعم النصارى الآيات والمعجزات ، وفرّ صاحبكم من قريش وأقام بالغار ومعه أبو بكر ثلاثة أيام ومعه كما زعمتم الآيات والمعجزات . قلنا : ليس في فرارهم طعن في اعلامهم ، وما قالوا لا يفرّ ولا يتوقى فيكون في فرارهم تكذيب ، فإن كل شيء وعدوا به وقالوه قبل ان يكون قد كان وتم على ما قالوه وشرطوه / قبل ان يكون ، وليس في فرارهم أيضا مقاربة لعدوهم ولا مداهنة ، بل انما احتاجوا إلى الفرار لترك المداهنة والمقاربة ، ولشدة المكاشفة لعدوهم ، والمبالغة في اسخاطه وإرغامه ، ولو قاربوا العدوّ واتقوه لما احتاجوا إلى الفرار . فاحفظ هذا فإنك محتاج إليه ، فإن قوما زعموا انهم اتباع الأنبياء من المسلمين ، أجازوا على أنبياء اللّه وعلى من هو حجة اللّه على خلقه المداهنة

--> ( 1 ) هيرودس أو هيرودوس هو حاكم فلسطين الروماني آنذاك . وانظر لقصة هرب يوسف النجار وعيسى عليه السلام وأمه مريم : الأصحاح الثاني 13 متى