القاضي عبد الجبار الهمذاني
22
تثبيت دلائل النبوة
فمن يجيرني حتى أبلغ رسالة ربي ؟ وقريش تتبعه وتمنع من اتباعه . وقد عرض نفسه على القبائل « 1 » ، ومعه أبو بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب ، وعمه أبو لهب يقول لتلك القبائل : نحن أهله وأعلم به فلا تسمعوا منه ولا تقبلوا قوله ، فتلقى تلك القبائل رسول اللّه بالجفاء ، ويقولون له : قومك أعلم بك ، ولو كان عندك خير لا تبعوك ، فأمسك عنا ، إلى أن انتهى إلى ربيعة وإلى ذهل بن شيبان ، فكلمهم وتلا عليهم القرآن ، فقالوا : إنا على هذا الماء من ذي قار ، وقد اخذ علينا كسرى ألا نحدث حدثا ، ولا نؤوي محدثا ، وهذا الذي أتيت به ودعوت إليه تكرهه الملوك ، فإن شئت ان نجيرك إلا من الملوك فعلنا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : ما أسأتم بالرد إذ أفصحتم بالصدق ، إن هذا الدين لا يكون من أهله إلا من حاطه من جميع جوانبه ، أرأيتم إن أظهركم اللّه عليهم ، وأورثكم ارضهم وديارهم وأموالهم وأفرشكم نساءهم أتطيعونه وتعبدونه حق عبادته ؟ فتعجبوا من قوله ومن إقدامه على أن ملك كسرى يزول بدعوته ويصير ملكه لأصحابه ، استبعادا لذلك ، واستعظاما لملك كسرى ان يزول بجبابرة الملوك الأقوياء الأغنياء ، فكيف يزول بهذا الوحيد الفقير ؟ ثم / يقولون هذا عاقل ، ولم يكن ليقول هذا ويعرّض نفسه للملوك إلا وهو على ثقة ، ثم انصرف عنهم وما أجابوه . وما زال يدعو ويعرض نفسه في المواسم إذا اجتمعت العرب ، إلى أن لقيته الأنصار « 2 » ، فسمعت منه وأجابوه واسلموا ، وخرجوا إلى المدينة
--> ( 1 ) انظر تفاصيل عرض النبي نفسه على القبائل في الطبري 1 : 1200 - 1209 . ( 2 ) كان أول من تلقى الرسول من أهل المدينة ستة نفر من الخزرج قدموا مكة في موسم الحج ، وعادوا إلى المدينة بعد ان أسلموا ، فدعوا قومهم إلى الاسلام ، وتوالت الوفود من المدينة إلى مكة في مواسم الحج اللاحقة ، وكانت بيعة العقبة الأولى التي حضرها اثنا عشر رجلا من الأنصار ، ثم كانت العقبة الثانية التي شهدها سبعون رجلا ومعهم امرأتان من نسائهم . انظر تفاصيل ذلك في الطبري 1 : 1208 - 1222 .