القاضي عبد الجبار الهمذاني
278
تثبيت دلائل النبوة
والآن يدعي هذا المدعي في هذا الزمان انه كان قد نهى عن التراويح ، فلما صاحوا وا عمراه خافهم فتقدم وأقامها لهم ، فما يجري كلامهم على تحصيل ولكن كما يسنح لهم . ومما كان ينبغي ان يقدم قبل هذا ، ما كان من عهد عمر حين جرحه فيروز النصرانيّ ، فإنه ورد على عليّ والمهاجرين والأنصار وجميع المسلمين من ذلك ما ذهلت له عقولهم أسفا عليه ؛ فإنه قد كان دوّخ ملوك الفرس والروم وأذلهم ، وغلب على ممالكهم ، وألجأهم إلى الهرب ، وبلغت خيوله إفريقية وأوائل خراسان وأوائل الهند ، فذلّ الشرك كله به ، وغزا الاسلام بمكانه وسلطانه . فخاف المسلمون ان تكرّ ملوك الشرك عليهم بفقده ، فاجتمعوا وانفردوا عنه / مفكرين ، وأملوا ان يبتدئ ويستخلف عليهم . فدخل عليه أهل الأمصار فقالوا له : أوصنا يا أمير المؤمنين ، قال : أوصيكم بالقرآن فتمسكوا به ، فيه هدى اللّه نبيّكم وهداكم من بعده ، وفيه نجاتكم ، قالوا : أوصنا ، قال : أوصيكم بالمهاجرين والأنصار وذكر فضلهم ، قالوا : أوصنا ، قال : أوصيكم بالعرب فإنهم مادة الاسلام ، قالوا : أوصنا ، قال : أوصيكم بذمتكم فإنهم ذمة نبيكم وقوت عيالكم ، قالوا : أوصنا ، قال : قوموا عني وإلا قمت عنكم . فلما رآه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا يذكر أحدا للخلافة دخلوا عليه ، وابتدأ ابن عباس يسأله الاستخلاف ؛ وافتتح الكلام ، فقال : قد توليتها حياتي واجتهدت لكم رأيي ونصحت لكم جهدي ومنعت نفسي وأهلي ، وأرجو ان انجو منها كفافا لا عليّ ولا لي ؛ فأثنوا ، وابتدأ علي يبشره عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بالجنة ، وقال له : وأشار إلى ابن عباس يشهد على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بمثل ما شهدت ، وشيع غيرهما ذلك وسألوه الاستخلاف ، فقال : ما أحب ان أتحملها حيا وميتا ، قالوا : بل تفعل ، ولك في ذلك