القاضي عبد الجبار الهمذاني

256

تثبيت دلائل النبوة

وهؤلاء الصحابة ، فلو كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم / قد نص لما جاز ان يذهب علمه عنهم ، أو لو قال قولا يحتمل تأويله هذا المعنى لما ذهب عنهم ، فإن البحث والنظر والخوض يخرج خفيات الأمور ويذكر بغوامضها وبما قد تقدم عهده وزمانه ، فكيف بالشيء الواضح القريب العهد ، ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم حي بينهم ، فكيف لم يقل علي للعباس : يا عم ، أما تعلم أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قد نص علي وجعلني حجة على العالم واستخلفني وولديّ على أمته إلى يوم القيامة ، وكيف نسيت مع قرب العهد ، أوليس قد قال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » ، و « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » ، وهذا نص واستخلاف . فإن كان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه نسي ان النبي صلّى اللّه عليه وسلم استخلفه كما نسي العباس فكيف لم يذكرهما الصحابة وهم يسمعون ما يجري ، وهذا لا يخفى على متأمل ، فقد وجدت رحمك الله عليا والعباس والصحابة قد اطبقوا على أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ما نص ولا استخلف رجلا بعينه ، ولا قال قولا قصد به هذا المعنى . فان قيل : ومن سلم لكم ان هذا قد جرى بين علي والعباس رضي الله عنهما ؟ قيل له : إن هذا كالذي جرى في السقيفة وفي الشورى ، لا يرتاب بذلك أهل العلم ، والعجب انكم تقولون أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من كنت مولاه فعلي مولاه » وتنكرون مثل هذا وهو أصح ، والعلم به أقوى ، وما زال ولد العباس وولد علي من قديم الدهر يتذاكرون هذا الذي جرى من آبائهما في أنهما أصوب رأيا ، ويخوض أهل العلم في ذلك ، كالشعبيّ وعبد الرزاق « 1 » ، وإنما يذهب مثل هذا على معاند أو من لا نصيب له

--> ( 1 ) الشعبي هو عامر بن شراحيل الشعبي الحميري ( أبو عمرو ) راوية من التابعين ، وهو من رجال الحديث الثقات توفي سنة 103 ه . تهذيب التهذيب 5 : 65 واما عبد الرزاق فهو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري ( أبو بكر ) من حفاظ الحديث الثقات . له « الجامع الكبير » في الحديث . توفي سنة 211 ه ، تهذيب التهذيب 6 : 310