القاضي عبد الجبار الهمذاني
254
تثبيت دلائل النبوة
فإن قيل : كيف أشكل هذا على هؤلاء القوم ؟ قيل له : ليس يعرف هذا بكمال العقل وان كان واضحا ، وانما يعرف بكثرة السماع وحسن الاصغاء والتأمل ، وجودة التحصيل وصحة النقل . ألا ترى ان في هؤلاء من يقول : ان في القرآن زيادة ، وفيهم من يقول : فيه نقصان ، وفيهم من يقول : للطهارة والصلاة والصيام وسائر الشريعة باطن يخالف ما عليه الفقهاء والعامة ، وإلى ما يذهب أهل التناسخ وقوم من الصوفية . وكل من جالس العلماء وكثر سماعه وجاد تحصيله ، يعلم علما يقينا ان هذا خلاف دين النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ وقد عرف أصحابه من سيرته جواز الاختيار في الأئمة والامراء ، وعملوا بذلك في حياته صلّى اللّه عليه وسلم . ألا ترى انه لما انفذ عسكرا لغزو الروم قال لهم : أميركم زيد بن حارثة ، فإن هلك فجعفر بن أبي طالب ، فإن هلك فعبد اللّه بن رواحة ؛ فهلك هؤلاء الامراء الثلاثة فاستعمل الجيش بعدهم خالد بن الوليد المخزومي أميرا عليهم ، فدبرهم وساسهم ولقى العدو بهم ، فما انكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ذلك بل صوبهم ، وسمي خالد بن الوليد سيف اللّه . وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم انفذ عما لأبي موسى الأشعري أميرا على جماعة فهلك ، فاستعملوا بعده ابا موسى ، فما انكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذلك بل صوبهم ؛ بل إنهم انما فعلوا هذا لأنهم قد عرفوه من سيرته . وقد ولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أبو العلاء بن الحضرمي « 1 » البحرين ، وانفذه في
--> ( 1 ) أرسل الرسول ( ص ) العلاء بن الحضرمي إلى المنذر الساوي بالبحر بالكتاب التالي : بسم اللّه الرحمن الرحيم . من محمد رسول اللّه إلى المنذر ساوي . سلام عليك فاني احمد اللّه إليك الذي لا إله الا هو ، وأشهد أن لا إله الا وان محمدا عبده ورسوله . أما بعد ، فإني أذكرك اللّه عز وجل فان من ينصح فإنما ينصح لنفسه وان من يطع رسلي ويتبع امرهم فقد أطاعني ومن نصح لهم فقد نصح لي ، وان رسلي قد اثنوا عليك خيرا ، واني قد شفعتك في قومك ، فاترك للمسلمين ما اسلموا عليه ، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم ، وانك مهما تصلح يغفر لك عن عملك ، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية » . السيرة الحلبية 3 : 252 .