القاضي عبد الجبار الهمذاني
12
تثبيت دلائل النبوة
أن نسلمه إليك فتعطينا بعضه ، هذا لا يختاره بله النساء فكيف بالمهاجرين والأنصار الذين أجابوه فصار بهم في عز ومنعة ، وصبروا على تلك الشرائط التي شرطها . وبعد فإن لم يكن نبيّا فهم لا يدرون هل يصل إلى غنيمة ؟ ولعله لا يتم له شيء مما يعدّ ، فما كانوا ليتبعوه لما يظنه الخصم ، ولولا أن هذا قد كان في أهل الذمة وطبقات الزنادقة ، وتعدوا إلى قوم زعموا أنهم من المسلمين لما ذكرناه ، ولكنه شيء يستزلون به المسلمين الذين لا ينظرون فيما هذا سبيله ، ويغترون بالظاهر . هؤلاء الذين ادعوا أنهم من المسلمين ، وأنهم من خاصة الخاصة « 1 » ، وممن قد عرف ما لا يعرفه غيره ، وأن للأمور غوامض وبواطن قد عرفها ، فيعتقد من يسمعه في المهاجرين والأنصار الغافلة والبله وقلة العقل ، ومن تدبّر ، يعلم أنهم أوفر عالم اللّه عقولا ، وأحسنهم تحصيلا ، وأسرعهم استدراكا لخفيات الأمور وغوامضها ، لا فرق بين من رمى المهاجرين والأنصار بذلك ، وبين من رمى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بذلك . فإن آثار عقول المهاجرين والأنصار معروفة في أفعالهم ، وتدبيرهم الدنيا ، وسياسة أهلها ، وترتيب خواصهم وعوامهم ، وأخذها من أيدي دهاة الملوك وعقلاء الناس ، وتفصيل ذلك يطول . فإن قيل : ومن سلم لكم عقل صاحبكم حتى تقولوا إن من دفعنا عن عقول المهاجرين والأنصار كمن دفعنا عن عقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟
--> ( 1 ) يقصد بهؤلاء الباطنية ، فقد وقعوا بأكثر الصحابة وهاجموهم ، فادعوا أن اسلامهم انما كان لمال أو جاه ، ولم يستخلصوا من الصحابة الا عددا محدودا .