القاضي عبد الجبار الهمذاني
235
تثبيت دلائل النبوة
باب آخر [ اكفار الرسول صلّى اللّه عليه وسلم للعرب وسائر الأمم الأخرى واسخاطها وكيف عصمه اللّه من اذاهم ] قد علمت الحال التي ابداها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين ادعى النبوة ودعا إلى اللّه ، فإنه اكفر الأمم كلها وتبرأ منها واسقطها وأسخطها واغضبها ، فما اعتصم بمخلوق كما قد تقدم ذكر ذلك . فكانت العرب واليهود والنصارى وقريش وغيرهم يدا واحدة في عداوته وطلب عثراته والحرص على قتله ، وهو بينهم على وحدته ، فيصرفهم اللّه عن ذلك بوجوه لا هو يعرفها ولا هم ، وبوجوه يعرفها ويعرفونها . غير أنهم قد كانوا ينالونه بالشتم والضرب ويلقونه بالأرض ويدوسونه بأقدامهم ويلقون الفرث والتراب على رأسه ، ثم صار الواحد بعد الواحد والنفر بعد النفر يجيبونه وهذه حاله ، فيلقون معه الضرب والهوان ، ويعذبون ويجاعون ويحصرون في الشعاب ، ومنهم من يقتل ، ولا يمكنهم المقام معه بمكة فيهربون بأديانهم ، ويعبرون البحار ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم مقيم بمكة معه أبو بكر ونفر يسير . وكان يخرج في المواسم إلى العرب ، ويتلو القرآن ، ويدعو إلى اللّه ، ويقيم الحجة ، وقريش من أهل بيته يخرجون إلى العرب يقولون لهم : لا تسمعوا منه فإنه ساحر كذاب ونحن أهل بيته وأعرف به ، ويقولون : « لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون » ويمنعونه صلّى اللّه عليه وسلم / من البيان والاستيفاء ، وربما شغلوه بالضرب ، يتولى ذلك منه عمه أبو لهب وأشباهه ، فيقول له العرب : أهلك اعلم بك ، ما نجيبك ، فاذهب عنا فقد عاديتنا وخالفتنا وأسمعتنا في آلهتنا وآبائنا وأنفسنا ما لا نحب ، وتستجيب له القبيلة بعد القبيلة من قبائل طيء وقبائل اسلم . وتسامعت به قبائل عبد القيس من ربيعة فأتوه وسمعوا