القاضي عبد الجبار الهمذاني

153

تثبيت دلائل النبوة

فوقع بينهم الخلاف الشديد . وعادوا أولئك إلى الروم وقالوا لهم : أعدونا « 1 » على أصحابنا هؤلاء قبل اليهود ، وخذوا لنا منهم كتابنا ، فاستتر أولئك من الروم وفروا في البلاد . فكتب الروم فيهم إلى عمالهم بنواحي الموصل وبجزيرة العرب . فطلبوا ، فوقع منهم قوم فأحرقوا وقوم فقتلوا ، واجتمع الذين أجابوا الروم وتشاوروا فيما يعتاضون عن الإنجيل إذ قد فاتهم ، فتقرر رأيهم على أن ينشئو إنجيلا . وقالوا إنما التوراة موالد الأنبياء وتواريخ أعمارهم فنبني الإنجيل على ذلك ، ويذكر كل واحد منا ما حفظه من ألفاظ الإنجيل ومما تحدث به النصارى عن المسيح . فكتب قوم إنجيلا . ثم أتى من بعدهم قوم وكتبوا إنجيلا ، وكتبوا عدة أناجيل ، وسقط عنهم الكثير مما في الأصل . وكان فيهم الواحد بعد الواحد ممن يعرف أمورا كثيرة في الإنجيل الصحيح فأمسكوا عنها لتتم رئاستهم ، ولم يكن في ذاك ذكر الصليب ولا الصلبوت ، وهم يزعمون أنها كانت ثمانين إنجيلا ، فلم تزل تقل وتختصر حتى بقي منها أربعة أناجيل لأربعة نفر عمل كل واحد في عصره إنجيلا ، وجاء من بعده فرآه مقصرا فعمل إنجيلا هو عنده أصح من إنجيل غيره وأقرب إلى الصحة . ثم ليس فيها إنجيل بلغة المسيح التي كان يتكلم بها هو وأصحابه وهي العبرانية لغة إبراهيم الخليل وسائر الأنبياء ، بها تكلموا وبها نزلت كتب اللّه على هؤلاء وغيرهم من بني إسرائيل ، وبها خاطبهم اللّه ، فتركها هؤلاء . وقد قالت العلماء لهم : عدو لكم معشر النصارى عن اللغة العبرانية وهي لغة المسيح والأنبياء قبله عليهم السلام / إلى صائر اللغات حتى

--> ( 1 ) هكذا في الأصل ، لعلها : ساعدونا