القاضي عبد الجبار الهمذاني
مقدمة و
تثبيت دلائل النبوة
حديث العليم بكل صغيرة وكبيرة من احداثها وشؤونها ، ولما كان الرسول عليه السلام أميا لم يطلع على كتب الأقدمين - التي لا تشير هي أيضا بدقة إلى تلك الأمور - فلا بد انه تعالى هو الذي اخبر نبيه بهذه الأشياء . 3 - وأخيرا فقد اتجه كثير من العلماء إلى أن الاعجاز في القرآن هو فيما ورد فيه من أنظمة انسانية بالغة الرقي لم يشهد الخلق لها مثيلا في ضمان مصلحة بني الانسان وتأمين حياته الخيرة ، فقد ورد في القرآن أنظمة لحياة الانسان في شتى ألوان النشاط البشري السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والروحي ، ولما كانت هذه الأنظمة يستحيل ان يقدر عليها اي انسان فلا بد ان يكون القرآن منزلا من اللّه مثبتا لرسالة الرسول . والواقع إن الاعجاز القرآني يشمل هذه النواحي جميعا : فهو في اللفظ العجيب والتركيب البلاغي البديع ، وهو في اخباره عن الغيوب وانباء الأمم السابقة ، وهو في أنظمته الرائعة السامية ؛ ولا نستطيع ان نقول بحصر الاعجاز في جانب واحد ، لأن القرآن معجزة الرسول إلى الناس جميعا في مختلف أزمانهم وأمكنتهم ، لذا كان لا بد ان يحوي هذه الوجوه المتعددة ، فإذا آمن العربي به لإعجازه البلاغي فقد يؤمن به الرومي لإخباره عن الأمم السابقة كما قد يؤمن به الفارسي للأنظمة التي فيه ، فالقرآن معجز كله ، لفظا ومعنى ونظاما . وبعد فإن الكتاب الذي بين أيدينا يبحث في النبوة وإثباتها ، وقد عرض له القاضي « 1 » في أكثر من موضع من كتبه ، إلا أنه تكلم عنه بالتفصيل في كتابين :
--> ( 1 ) ضربنا صفحا عن التعريف بحياة القاضي وثقافته ومؤلفاته لأننا عرضنا لذلك في مقدمتنا لكتابه « شرح الأصول الخمسة » وسيصدر لنا قريبا كتاب خاص عن القاضي عبد الجبار ، بالإضافة إلى رسالة الدكتوراه التي كانت بعنوان « القاضي عبد الجبار وآراؤه الكلامية » .