السيد محمد الصدر
86
تاريخ الغيبة الصغرى
وأوضح أمثلته : ما إذا أمرك شخص ، لا مناص لك من طاعته ، ان تخرج من عدة أبواب على أن لا تخرج من أي باب إلا إذا كنت خرجت من باب قبلها . فإن أمره هذا لا يكون قابلا للإطاعة ، باعتبار استلزامه التسلسل . فإنك - لا محالة - تخرج لأول مرة من باب لم تخرج من باب قبله . وأما تقيدك بهذا الشرط باستمرار ، فهو في عداد المحالات . . . فالحظ ذلك بنفسك « 1 » . ومثله ، ما لو أمرك بأن تأكل عدة تفاحات على أن تكون كل تفاحة تأكلها مسبوقة بأكلك تفاحة قبلها . . . أو أمرك أن تسمع عدة أبيات من الشعر على أن يكون كل بيت تسمعه مسبوقا بسماعك لبيت قبله . . . وهكذا . ومن هنا تضطر أنت ، لو أردت الامتثال ، إلى قطع هذه السلسلة بالخروج من باب لم تخرج قبله من باب آخر ، أو سماع بيت من الشعر لم تسمع قبله بيتا . . . وهكذا . وإلا كانت كل فقرات السلسلة متعذرة التطبيق تماما . . . فكذلك الحال في الكون عموما ، لو قلنا بأزليته من دون إسناده إلى صانع خارجي ، فإن حوادثه مربوطة ببعضها البعض منذ الأزل ، فإذا لم تستند إلى الصانع تكون كل حوادثه متعذرة الوجود ، تماما كأبيات الشعر والتفاحات . إذن فأزلية الكون مستحيلة التحقق على أساس الفكر المادي . . . النقطة الرابعة : انه كما لا معنى لأزلية الكون ، لا معنى لأزلية قوانينه أيضا بما فيها قانون الديالكتيك . . . بشكل أوضح من أزلية الكون . إذ لعل شخصا يتحدث عن أزلية الكون ، بعد التنزل - جدلا - عما عرفناه في النقطة السابقة ، يتحدث عنه على أساس ملاحظة المجموع أو على تسلسل الحوادث وتتابعها اللانهائي . . . إلا أن هذا لا معنى له في القوانين الكونية . لأن الحديث عن مجموع القانون حديث مهمل ، لوضوح أن القانون إنما يوجد في ضمن تطبيقاته ، وليس له وجود أوسع من ذلك .
--> ( 1 ) إن أول من ذكر هذا الأسلوب في استحالة التسلسل ، حسب اطلاعنا ، هو : عبد اللطيف بري ، في كتابه : نقد الفكر المادي والديني ، ص 25 . نذكره حفظا للحقيقة .