السيد محمد الصدر

78

تاريخ الغيبة الصغرى

--> بمعناها القديم المغاير للطاقة . . . وهذا ما أثبتت الفيزياء الحديثة بطلانه بعد إمكان تحول المادة إلى طاقة . وهذا هو الذي يفيد الماركسيين لأنهم يحرصون على أزلية المادة بهذا المعنى . وأما لو كان الحديث في هذا القانون عن الطاقة نفسها ، وانها لا توجد ولا تنعدم ، فهذا ما قالته الفيزياء الحديثة ، إلا أنه قول بلا دليل لتعذر إقامة الدليل التجريبي عليه - في المدى البعيد - كما هو واضح ، فإن عدم تمكن العالم من إعدامها في المعمل لا بمعنى عدم إمكان ذلك أساسا ، والتعميم يحتوي على ( مثالية ) مقيتة لا تتناسب مع التفكير الماركسي . التقييد الثالث : إن قانون الفناء الحراري للكون يصح في المادة بمعناها القديم ، ولا يشمل الطاقة . فإن الاشعاع الحراري يحول المادة إلى طاقة ، لا انه يسبب فناءها بالمرة . وهذا التقييد صحيح - شكليا - إلا أنه غير منتج في نفع الماركسيين : أولا : إن استمرار الاشعاع في مدى أزلي ، يقتضي في الكون المحدود ، - كما هو مقتضى التجاوز عن التقييد الأول - تحوله جميعا إلى طاقة . ومعنى ذلك أننا لا يمكن أن نجد إلا الطاقة ، ومنذ أمد بعيد . وقد يخطر في الذهن : اننا لا نجد الآن إلا الطاقة ، فعلا ، بعد أن ثبت في الفيزياء الحديثة أن المادة إن هي إلا طاقة ( مضغوطة ) . وجوابه : إن معنى التحول إلى الطاقة : انعدام الطاقة بشكلها المضغوط ، وتحولها إلى باقة ( مشتتة ) ليست ذات وجود ( مادي ) متميز . فيكون معنى الفكرة التي قلناها : انه لو كان الكون أزليا لأصبح الكون منذ أمد بعيد طاقة مشتتة ، ولم نجد فيه أنواع المادة وأشكالها المعروفة ، على حين نجد ذلك وجدانا ، ومعناه أن الكون ليس أزليا . ثانيا : إن قانون الفناء الحراري للكون يمكن أن يشمل الطاقة نفسها . وذلك على أحد مستويين : المستوى الأول : إن المادة المعروفة إن تحولت إلى طاقة محضة ومشتتة ، فسوف تكون متجانسة بمعنى متشابهة الأجزاء خالية من الأشكال المعروفة . . . ثم إنها تستمر بحركتها الدائبة والسريعة بالتفرق حتى لا يبقى لجزئياتها أي تماسك أو تأثير . وهذا يعني الانعدام من الناحية العملية ، لأن كل جزيء بمفرده لا يمكن أن نسميه مادة ولا طاقة ، وغير مؤثر في أي تكوين . المستوى الثاني : إنه ثبت في الفيزياء الحديثة أن الطاقة إنما توجد مع استمرار الحركة وأما مع السكون فالطاقة تنعدم . وبتعبير آخر : إن الجزيء إنما يكون له وجود مع حركته دون حالة سكونه . فإذا صح ذلك ، أمكننا أن نقول : بأن جزئيات الطاقة المشتتة للكون تؤول في نهاية المطاف إلى السكون بعد أن لم يعد لوجودها أية فائدة ، بما في ذلك الاجتماع مرة أخرى ، لأنها في حركتها تتباعد لا تتقارب ، طبقا للقانون الحراري . ولا أقل من أن افتراض السكون مما لا يمكن نفيه ( علميا ) ، فهو يعدل القول بأزلية الكون الذي لا يمكن إثباته ( علميا ) أيضا . وإذا سكنت جزئيات الكون انعدمت . . . فانعدم الكون . التقييد الرابع : عدم الالتزام بعالم الروح الموجود في رأي الإلهيين - وراء المادة والطاقة معا . فإننا إن تحدثنا عن فناء الكون الحراري ، بمعناه المختص بالمادة أو الشامل للطاقة ، كان لهذا القانون معنى مفهوم . وأما إذا كان المراد من الكون ما يشمل الوجود الروحي المجرد ، فلا معنى لهذا القانون ، لأن الاشعاع المستمر ( أو تناقض الوجود بالاشعاع ) خاص بالمادة ، وغير شامل للروح ، ولا أقل من أن هذا مجال يستحيل على المستوى العلمي التجريبي أن يناله ولا إثبات ، فليس من حقه أن يقول تجاهه أية كلمة .