السيد محمد الصدر

626

تاريخ الغيبة الصغرى

وسنبحث عن كل من هاتين النقطتين في جهة مستقلة . الجهة الأولى : في المصلحة التخطيطية للجانب التاريخي لاوروبا ، ومقدار وكيفية مشاركتها في الهدف الأعلى . يتمثل ذلك في عدة أمور : الأمر الأول : الاختيار الذي هو أحد أركان التخطيط ، بالانضمام إلى الأهداف ( القريبة ) التي كان الناس في مختلف الأجيال يتوخونها من وراء تصرفاتهم الاختيارية . وهي في الغالب أهداف مصلحية متخذة من مجموع الفهم الذي يحمله الفرد عن بيئته ومجتمعه المتصف بحالة حضارية وثقافية معينة : إن الاقطاعي كان يتوخى في هدفه القريب مصلحته ويفهمها من زاوية توسيع ممتلكاته والضغط على فلاحيه لزيادة الانتاج الذي يعود عليه بالربح . ومثل ذلك يفكر مالك الأرقاء . وأما الحرفي فهو يرى من مصلحته تحسين انتاجه وتوسيع بيعه . وكذلك يفكر مالك المصنع التعاوني ( المانيفكتورة ) . والرأسمالي يرى مصلحته في زيادة أعماله وأمواله ، وعن طريق السيطرة على الآخرين وقهر الشعوب الضعيفة . إن هذه الأفكار توجد في أذهان أصحابها نتيجة لمجموع الحالة الاجتماعية المدنية والحضارية معا ، ولا تختص بوسائل الانتاج . وبعد ان يحمل الفرد فكرته الخاصة عن هدفه ( القريب ) يطبق ما يملكه من ( اختيار ) على أعماله ونشاطه متوخيا تحقيق هدفه . وليس لوسائل الانتاج من أثر في غير حقل الانتاج نفسه . الأمر الثاني : ان هذا التسلسل التاريخي للظروف التمحيصية السابقة عليه . أو بالأصح ، ان كل حادث انما هو نتيجة للظروف السابقة التي تمثل سير التاريخ من ناحية والتمحيص العام من ناحية أخرى . . . تلك الظروف التي كانت وما زالت تمثل لفشل في التمحيص . الأمر الثالث : ان هذا التسلسل التاريخي سبب لتمحيص جديد ، بالنسبة إلى كل واقعة ، وذلك من ناحيتين على الأقل : الناحية الأولى : تمحيص الأفراد الأوروبيين أنفسهم ، من حيث النظر إلى ردود أفعالهم تجاه الوقائع ، وهل هي ردود فعل صالحة أو فاسدة . ان فشل النظام الاقطاعي وفشل النظام الرأسمالي بعده ، على مستوى الرأي العام العالمي ، واتجاه الاشتراكية إلى نفس النتيجة أيضا . . . يدل كل هذا بوضوح