السيد محمد الصدر
576
تاريخ الغيبة الصغرى
ليس هناك مجتمع أعلى من هذه الدولة ليفرض رأيه عليها ، بعد أن أصبح مجتمعها هو العالم كله . وأما سيطرتها هي على العالم ، فلا يعتبر من نوع الاستعمار ، فان الاستعمار هو السيطرة المساوقة مع الاستغلال والتحكم واللعب بخيرات ومقدرات الشعوب . وأما إذا كانت السيطرة بقصد أبوي لأجل خير البلاد المفتوحة نفسها ، وإذا كانت الدولة المسيطرة تستطيع أن تخدم الشعب المفتوح أكثر مما يستطيع هو أن يخدم نفسه ، وإذا كان واضحا في ذهن الشعب المفتوح بحيث فرح بهذا الفتح الجديد ، وبالخلاص من ( أوصاب الماضي ) كما تعبر الماركسية . . . إذن لا يكون للاستعمار وجود ، شأنه في ذلك شأن الفتح الاسلامي الذي أخرج الشعوب المفتوحة من ذل العبودية والظلم وأدخلها في الدين الفاتح نفسه بل ولغته أيضا أحيانا . وأما المعنى الثالث للحرية فهو ضروري الوجود في الدولة العالمية ، لكونه من المؤثرات الرئيسية في التربية المتوخاة لها . . . لما عرفناه فيما سبق من أن الاختيار وحرية التصرف من الأركان الرئيسية في التخطيط المستهدف لكمال البشرية . . . لا يختلف في ذلك الاختيار بقسميه الكوني والتشريعي . فالناس في حدود الايديولوجية العامة للدولة ، والوعي المهدوي الجديد ، أحرار تماما . . . في كل تصرفاتهم الاجتماعية والاقتصادية والعبادية والأخلاقية وغيرها . إلا أن هذا يساوق المنع عن كثير من التصرفات والآراء غير المنسجمة مع تلك الايديولوجية ، إلا أن هذا المنع سوف لن يكون له أثر واضح ، بعد أن يكون الأمر قد استتب للدولة من زاوية السيطرة القوية من ناحية وزاوية الدعوة إلى الحياة الفكرية الجديدة التي تكون مقنعة للناس بشكل واضح وتلقائي في الغالب . وخاصة بعد أن يتم لهم المقارنة بين نتائج هذه الدولة والنظم السابقة عليها . وهي مقارنة تتم تلقائيا في الذهن أيضا بالنسبة إلى أي إنسان ملتفت معاصر لتأسيس هذه الدولة منذ أول تكوينها . وأما بعد ذلك ، فالأمر أسهل ، إذ يكون الناس قد تم اقتناعهم الكامل بالمستوى الفكري الجديد ، ولا يوجد من لا يقتنع بذلك . فقد أصبح البشر أجمعين هادفين ومتآخين في سبيل الهدف الأعلى ، وبالتالي منسجمين مع التخطيط