السيد محمد الصدر
528
تاريخ الغيبة الصغرى
ولعل مستوى ذهني آخر يلغي النبي المبشر بهذه البشارة ، عن كونه قائدا ، ويوكل الأمر إلى شخص آخر حسب مستواه الاجتماعي والقبلي ، أو يوكله إلى شخص مجهول . إلا أنه - على أي حال - لا يستطيع أن يتنازل عن كون دينه هو الحق المطلق ، مع عدم الالتفات إلى مرحلتيه أيضا . إذن فدينه هو المنتصر في ذلك المستقبل الموعود . والفكرة الصحيحة الوحيدة من هذا التسلسل الفكري هو وجود المستقبل الصالح . وأما قابلية ذلك الدين للتطبيق في ذلك المستقبل فهو خلاف ما قام عليه البرهان من مرحلتيه ونسخه بدين الاسلام ، الذي هو الأطروحة العادلة الكاملة المعدّة للتطبيق في ذلك المستقبل . وأما قابلية النبي المبشر كموسى أو بوذا أو غيرهما ، فهو قابل للمناقشة من ناحيتين : الناحية الأولى : لا أقل من احتمال أن أنبياء البشرية الأولى الواطئة ليس من الضروري أن يكونوا بارتفاع وعمق أنبياء البشرية العليا ، لأن وجودهم ذاك كان لهداية البشرية في ذلك العصر ، فلا يبقى برهان على اتصافهم بأكثر من هذه الدرجة من الكمال . وهذا يعني أنه لا دليل على قابلية أولئك الأنبياء لقيادة اليوم الموعود ، تلك القيادة القائمة وبالضرورة على الرشد العالي والعمق العظيم . الناحية الثانية : ان النبي الذي تفترض قيادته لليوم الموعود ، ان طبّق شريعته الخاصة ، كان ذلك خلاف ما أسلفناه من عدم قابلية دينه للقيادة ، باعتبار مرحلتيه . وإن فرضنا تطبيقه للأطروحة العادلة الكاملة ، أو مشاركته فيه ، فأوضح ما يرد عليه من مناقشة : انه يحتاج إلى دليل جديد غير مجرد تنبئه بالمستقبل الصالح ، كما هو واضح . ولا دليل على ذلك في غير المسيح عيسى بن مريم عليه السلام . وأما اعتقاد قومه بقيادته ، فهو ناشئ من مجرد ذلك التنبؤ ، على أفضل تقدير ، وهو لا يكفي دليلا على الاثبات . الجهة الثانية : في ارتباط الخط الثاني من الانحراف بالتخطيط العام . إنه بعد تحقق الشرط الأول لليوم الموعود ، تم - كما عرفنا - إيضاح الفكرة المهدوية بشكل مهم ، وتم التركيز بشكل واسع النطاق على وجود المهدي ودولته العالمية في المستقبل ، بشكل قطعي لم يسبق له نظير . وقد تكونت الذهنية المسلمة منتظرة للمهدي من ناحية ، وناظرة له بعين الهيبة والاحترام من ناحية أخرى . وهذا الشعور نفسه يفتح في الأذهان المنحرفة