السيد محمد الصدر
506
تاريخ الغيبة الصغرى
- 5 - التطبيق الأول : انحراف القيادة الاسلامية ، أولا . وزوالها - بعد ذلك - ثانيا . وهذا الانحراف على إجماله ، مما تساملت عليه المذاهب الاسلامية الرئيسية . وهذا المقدار يكفينا لهذا التطبيق ، لأن ما سنذكره من المبررات ينطبق على هذا الانحراف بغض النظر عن تاريخ ابتدائه وأشخاص المنحرفين . إن انحراف القيادة الاسلامية ، يرتبط بالتخطيط الإلهي المخصّص لايجاد الشرط الثالث لليوم الموعود . حيث قلنا إن البشرية إنما يمكن أن يتكامل اخلاصها فيما إذا مرت بظروف من الظلم والتعسف طويلة الأمد ، وبتجارب قاسية ، يكون الأفراد - من خلالها - على محك التمحيص في أن ردود أفعالهم هل سوف تكون إلى جانب الحق أو إلى جانب الظلم الاجتماعي . وقد عرفنا أيضا أن الايمان ، مهما يكن ضخما ، لا يعتبر شيئا ذا بال ما لم يكن ممحصا . واما الايمان الساذج الفج ، فلا قيمة له في التخطيط الإلهي ، لأنه يكون غرضا لأول رمية ، فاشلا في أول تجربة . إذن ، فمن الضروري أن تمر البشرية في ظروف التجارب القاسية ! وأما كيف يتم ذلك بعد أن عاشت الأمة الاسلامية القيادة العادلة في أول عهدها ، في صدر الاسلام ؟ إن ذلك يتم بالسماح لعوامل الانحراف بأن تعمل عملها في المجتمع ، لا بمعنى ان اللّه عز وجل قد رضي بها وبارك وجودها . بل بمعنى أنه تعالى فسح لها فرصة الوجود ، ولم يجعل الموانع الفكرية « 1 » والاجتماعية ضدها . وان من أهم ظروف الانحراف الممكن وجودها في المجتمع ، هو انحراف القيادة ، لما للقيادة من أثر بليغ في صياغة المجتمع وبلورته . ومن هنا يتضح أن انحراف القيادة يمت إلى هذا التمحيص العام بصلة وثيقة من زاويتين : الزاوية الأولى : كونه سببا لتمحيص المجتمع ، واختبار أفراده عموما ، لتعرف آراؤهم وأعمالهم تجاه القيادة المنحرفة ، ليتميز - بالتدريج - جانب الفشل
--> ( 1 ) أعني بها المستوى المهضوم والمعمول عليه اجتماعيا ، لا المستوى المفهومي الموجود في الأطروحة الكاملة ، فإنه يكفي فكريا للمنع عن الانحراف .