السيد محمد الصدر
497
تاريخ الغيبة الصغرى
الذهن . واما الايمان فهو يعني الانسجام مع الأهداف العليا بالإضافة إلى التربية . ولكن كل ذلك ، فيما إذا كانت تعاليم النبي معلنة ومفهومة اجتماعيا على واقعها أو قريبا من الواقع ؛ واما لو انسلخت تماما عن واقعها ، وعادت مرة أخرى إلى الشكل البدائي ، ولم يبق من التعاليم الأصلية إلّا ما يوازي التقاليد الشكلية ، فان النبوة تفقد حينئذ فاعليتها التربوية الاجتماعية لا محالة . وكل ما يمكن قوله - إذا أردنا الاحتراس في القول - : ان التربية لا تنحطّ مرة أخرى عن المستوى الذي استطاعت تلك النبوة ايصالها إليه ، وانما تمنع هذه الانحرافات عن التطور الزائد الذي كانت تعاليم تلك النبوة قابلة لإيصاله إلى البشرية لولا هذه الانحرافات . - 5 - وبقي الحال في المنطقة التي نتحدث عنها على ذلك ، اعني انها تستقبل الأنبياء المرشدين ، ولو بقدر محدود ، حتى وصلت الحضارة البشرية إلى درجة يمكن من خلالها لنبوات الشرق الأوسط ان توصل صوتها إلى تلك المنطقة ، فانقطعت النبوات هناك ، وتحولت هداية تلك المنطقة إلى نبوات الشرق الأوسط نفسها . ولعل الشرق الأوسط كانت له الحضارة الكافية التي يبحر بها إلى الهند والصين ، قبيل ميلاد المسيح أو خلال فترته الأولى . أما إيران وباكستان وأفغانستان وتركستان ، فكان الوصول إليها ميسورا ومتوفرا . وأما بعد دخول الدولة الرومانية في دين المسيحية بدخول الإمبراطور أوغسطين فيه عام 312 ميلادية « 1 » . . . فقد أصبحت سيطرة الدولة المسيحية على العالم واضحة . وهذا هو الذي يفسر لنا انقطاع النبوات عن تلك البلاد من ذلك التاريخ . فان المهم في التخطيط الإلهي هو وصول الدعوة النبوية إلى البلاد ، سواء كان النبي من أهل البلاد أو لم يكن . على أن توجيه العالم تدريجيا نحو مركز نبوي واحد ، ضروري بالنسبة إلى إنجاح التخطيط العام . ومن الضروري ان يكون ذلك قبل نزول ( الأطروحة العادلة الكاملة ) لتكون هذه الأطروحة عالمية الاعلان فور نزولها . وقد تم ذلك فعلا . واستطاع الاسلام أيضا ايصال دعوته إلى أقاصي تلك البلاد بعد اعلانه بزمن غير طويل . سواء في ذلك المراسلات التي عملها نبي الاسلام مع الحكام الرئيسيين في العالم يومئذ ، أو الفتح العسكري الذي باشره ( ص ) شخصيا واستمر
--> ( 1 ) قصة الديانات . سليمان مظهر ، ص 441 .