السيد محمد الصدر

494

تاريخ الغيبة الصغرى

ومن هذه الدعوة ، بدأ خط التدين العام هناك ، الذي ساعد على رقي الفكر البشري لتلقي النبوات المتأخرة . وقد بقي هناك جماعة اقتصروا على تلك الدعوة ولم يؤمنوا بالأنبياء المتأخرين ، فخرجوا بذلك عن مواكبة التخطيط الإلهي . وسموا بالبراهمة أو البرهمية ، وسموا الاله : براهما . . . الذي يعني - طبقا لهذا التسلسل الفكري - : إله إبراهيم . - 2 - وبعد أن نجح هذا الاتجاه في تربية البشرية ، بدأ خط معمق من النبوات ذات المفاهيم العقائدية - أولا - ومستوى لائق من التشريع ، ثانيا . وأهم من وجد في فارس « زرادشت » ، وفي الهند « بوذا » وفي الصين « كنفوشيوس » . وتعاليمهم من حيث العقائد والأخلاق ، تكاد تكون متشابهة تدعو إلى الأخوة والتراحم والزهد وعبادة الاله الواحد القادر الحكيم . وتؤمن بحرية الإرادة للبشر ، كما تؤمن بوجود المسؤولية تجاه الاله وانه يحاسب ويثيب ويعاقب في حياة أخرى . وهي قليلة التشريعات - على ما يبدو من المصادر - فلا تكون مستوعبة لكل جوانب الحياة . وقد أخذت منطقة كل واحد منهم بنظر الاعتبار في صياغة شريعته . ولم تكن دعوات قبلية ، ولكنها لم يعرف عنها انها ادعت عالمية الدعوة . فلو كان الأمر قد اقتصر على ذلك ، لوصلت البشرية هناك بمثل هذه الدعوات ، إلى مستوى يكاد يكون مشابها للمستوى الذي وصلته من خلال النبوة الموسوية في الشرق ، أعني قبل وجود المسيح بقليل . وتتابع المصلحون الدينيون بعد ذلك ردحا من الزمن ، مما لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله . - 3 - صحيح انه لا دليل من الناحية الاسلامية على نبوة هؤلاء المشار إليهم . لأن نبوات الشرق الأدنى لم تتعرض إلى نبوات الشرق الأقصى بقليل ولا كثير ، لكي تعترف بها أو تنكرها . وذلك لوضوح ان مجتمع الشرق الأوسط لم يكن يحمل همّ الشرق الأقصى على الاطلاق ، ولم يخطر بباله ان يفكر فيه . ولا بد للنبوات ان تواكب المستوى العام للمجتمع ولا تكلفه من الحقائق أكثر مما يطيق . وكان ذكر هذه النبوات القصوى ، مما لا يطيقها فكر الشرق الأوسط على كل حال ، فقد كان ذلك أوسع من